Jawāhir al-Tafsīr
جواهر التفسير
وانتقد ابن جرير من قال إن هذا الوصف فيمن آمن ثم كفر، لأن السياق يأبى ذلك، فإن كل ما في سورة البقرة من وصف المنافقين دال على أن الايمان لم يصل إلى سويداء قلوبهم في وقت من الأوقات وإن ادعوه بأطراف ألسنتهم، وهذا يعني أن فريق المنافقين المذكور هنا غير الذين ذكروا في قوله { ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا } ، وقوله { كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم }.
ولما كان كل من المتبايعين يسعى إلى الربح، إذ هي ثمرة التجارة ومطمح التجار، عقب ما تقدم ببيان أن هؤلاء المنافقين فشلوا في سعيهم، وخابوا في أملهم، ومن المعلوم قطعا أن من آثر الضلال على الهدى، واختار الكفر على الايمان، فقد بذل ما ينفع في مقابل ما يضر، وتلك هي الخسارة العظمى، وإنما عدل عن التنصيص على خسرانهم إلى نفي ربحهم للتنبيه على أنهم كانوا بصنيعهم يهدفون إلى مكاسب يبتغونها، ومنافع يتصورونها أجدى لهم من هداية الدين، ولما كانت تلك المنافع لا توازي شيئا بجانب ما افتقدوه من الهدى مع ما كان ينغصها عليهم من الخوف والحذر، نفي عنهم الربح لعدم الاعتداد بها، ومن المعلوم أنهم أضاعوا رأسمالهم بهذا العسف، ففقدوا الطلبتين بقاء رأس المال وحصول الربح، ولما كان انتفاء الربح مترتبا على الاشتراء عطف عليه بالفاء.
والتجارة هي صنعة التاجر، والربح طلبته منها.
وبما أن إيثار الضلالة على الهدى ليس من الاهتداء في شيء، اختار بعض المفسرين أن يكون قوله عز وجل من بعد { وما كانوا مهتدين } نفيا للهدى اللغوي حتى لا يكون ذلك تكرارا مع ما في قوله { الذين اشتروا الضلالة بالهدى } ، وهو معنى قول بعضهم وما كانوا مهتدين في هذا الخداع لأنهم رجوا فلاحهم، فخاب رجاؤهم بما تفشى من فضيحتهم عند الناس، ويحتمل أن يكون المراد بنفي الاهتداء أنهم ليسوا أهلا له بسبب ما طرأ على فطرتهم من الفساد، وهذا أولى من حمل الألفاظ الشرعية على المفاهيم اللغوية التي نقلها عنها الشارع.
هذا ويرى بعضهم أن ما كان عليه المنافقون في الظاهر من نطق بالشهادتين، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والتحلي بسائر خصال الاسلام ضرب من الهدى، فإذا رجحوا عليه ما في قرارة نفوسهم من عقيدة الكفر، فقد اشتروا الضلالة بالهدى، وهو رأي مردود إذ لا وزن للأعمال الظاهرة مع خلو الباطن من أصلها، وهو الايمان بها، والاخلاص فيها، فالنطق بالشهادتين إن لم يكن صادرا عن عقيدة راسخة في النفس، لا زنة له عند الله، ومثل ذلك جميع الأعمال كإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة.
وانتقد بعض المفسرين تفسير الهدى هنا بالفطرة، لأن المنافقين كانوا مشتركين مع غيرهم في أصل هذه الفطرة، ثم اشتركوا مع المشركين الصرحاء في الانسلاخ منها، وإيثار الضلال عليها، ولقائل أن يقول بأن ذلك لا يمنع من وصف المنافقين بما وصفوا به؛ لأن القصر هنا ادعائي ليس إلا.
والأصل في الربح أن يسند إلى التاجر، ولكنه أسند هنا إلى التجارة لأجل الملابسة، وهذا من باب ما يسمى عند أهل المعاني بالمجاز العقلي، وهو ضرب من ضروب البلاغة، وذكر الربح والتجارة بعد ذكر الاشتراء ترشيح للاستعارة بما يلائم المستعار منه، وهو أسلوب من أساليب البلاغة الشائعة عند البلغاء.
وهذه الآية مرتبطة بسابقاتها، فهي في المنافقين كما هو بدهي ولا معنى لقول من يقول إنها في أهل الكتاب أو المشركين، أو إنها شاملة للمنافقين وأهل الكتاب، لأنه يفضي إلى خروجها عن نسق ما تقدم وما يأتي، ولا دليل عليه.
[2.17]
هذه الآية مسبوقة بتسع آيات هاتكة أستار أهل النفاق، كاشفة خباياهم، سواء كانوا من اليهود أو من العرب الوثنيين، وجاءت بعدها هذه الآية لترسم صورة محسوسة للنفاق وأحوال المنافقين بما فيها من ضرب المثل، وقد تلي هذا المثل بمثل آخر في آية ثالثة لهذه الآية.
Unknown page