Jawāhir al-Tafsīr
جواهر التفسير
وما إن بعت منزلة بأخرى
حللت بأمره وبه تسير
وحمل جماعة من المفسرين الاشتراء هنا على هذا المعنى، ورأى آخرون أن إطلاق الاشتراء على اختيارهم الضلالة على الهدى، لأن من اشترى شيئا لا يشتريه إلا وهو فيه راغب، وفي ثمنه زاهد، ومن حيث إن هؤلاء زهدوا في الهدى ورغبوا في الضلالة، أطلق على فعلهم الاشتراء، وهو من المجاز المرسل بعلاقة اللزوم.
وانتقد الامام محمد عبده تفسير الاشتراء بالاستبدال لما بين اللفظين من فارق، والقرآن الكريم لا يؤثر لفظا على لفظ إلا لمزية فيه، ولخص الفارق بينهما في وجهين:
أحدهما: أن الشراء لا يكون إلا لفائدة يطلبها كل من البائع والمشتري، سواء كانت حقيقية أو وهمية، والاستبدال أعم من ذلك.
ثانيهما: أن الشراء يكون بين طرفين ولا يلزم ذلك في الاستبدال، فقد يستبدل أحد ثوبا من ثيابه بثوب من غير أن يكون في مقابله أحد، ولا يصدق على ذلك أنه بيع أو شراء، وفي هذا ما يدل على أن معنى الآية أن أولئك القوم اختاروا الضلالة على الهدى لفائدة يتوهمونها، فهو معاوضة بين طرفين يقصد بها الربح.
ثم أوضح الامام ذلك بما معناه أنهم كانت عندهم كتب سماوية فيها مواعظ وأحكام وتبشير بمبعث نبي يحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، ويغمر الأرض نوره، ويشمل الأمم هداه، فيعطي العقول حقها من الاستقلال، ويجعل لكل فرد حرية في الأفكار، فكان عندهم بذلك حظ من هداية العقل، والمشاعر، وهداية الدين والكتاب، غير أنهم تفشت منهم الأحداث والبدع ، واستولت عليهم الانحرافات والضلالات، فعلا سلطان ذلك على سلطان الدين، ونتج عنه ضلال الرؤساء في فهمه بإخلادهم إلى تحكيم تقاليدهم الموروثة ونبذهم الكتاب بطرق من التحريف والتأويل، كما نتج عنه إهمال المرؤوسين التفكر والنظر في الكتاب بسبب حظر الرؤساء ذلك عليهم، ومن هنا ضل الفريقان في استخدام العقل، وفي فهم الوحي بعد أن كان ذلك ميسرا لهما، واستعاضا عنه المنافع العاجلة، فللرؤساء المال والجاه والتفخيم باسم الدين، وللمرؤوسين الاستعانة بجاه الرؤساء على مصالحهم ومنافعهم، ورفع أثقال التكاليف بالفتاوى الباطلة، والتأويل المحرف، هكذا استحبوا العمى على الهدى، وهو العقل والدين رغبة في الحطام، وطمعا في الجاه الكاذب.
هذا معنى كلامه، وهو مبني على ما تقدم ذكره عنه أنه يرى أن المنافقين المعنيين في الآيات كانوا من اليهود وحدهم، ولغيره أن يتعقب تفسيره للاشتراء بأن المعاوضة التي تكون بين طرفي المبايعة اللغوية غير موجودة هنا، إذ لم يكن فريق آخر دفعوا إليه ما كان عندهم من الهدى وأخذوا ما عنده من الضلال، على أن العرب يطلقون هذا اللفظ أحيانا على مطلق الاستبدال من غير مراعاة للقيود التي ذكرها، كالشاهد المتقدم:
فإني شريت الحلم بعدك بالجهل
إذ لم يكن في ذلك طرفان، بائع ومشتر، ولا فائدة في هذا الشراء حقيقية أو وهمية، وقد أخرج ابن جرير عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: " أخذوا الضلالة وتركوا الهدى " ، ومثله عن ابن عباس، وأناس من الصحابة - رضوان الله عليهم -، وأخرج هو وابن أبي حاتم، وعبدالرزاق، وعبد بن حميد عن قتادة أنه قال: " استحبوا الضلالة على الهدى " ، ويعضده قول الله سبحانه:
Unknown page