269

فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب

[الحج: 46]، وهو نص صريح في إطلاق العمى على انطماس البصيرة.

وإذا تأملت مفهوم الكلمة اللغوي أدركت أن المأثور من تفسيرها إنما هو تفسير باللازم، فإن من تعمق في الطغيان لا بد أن يبقى حائرا مترددا متماديا في ضلالته، نسأل الله تعالى العافية.

[2.16]

هذا الكلام يفيد تقرير ما تقدم من أوصاف أهل النفاق وما يترتب عليها، ومن حيث إن التقرير في مضمونه التأكيد قطع عما قبله، وقد يقتضي الحال أن يسأل السامع لأوصافهم المتلوة فيما تقدم عن منشأ تلك العجرفة وسبب ذلك الغرور، فيجاب { أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى } وهذا يعني أنه استؤنف استئنافا بيانيا، وهو من دواعي عدم العطف أيضا، ومن ناحية أخرى فإن هذه فذلكة لما سبق، ومن عادة الفذلكة أن تكون مقطوعة كما في قوله تعالى: { تلك عشرة كاملة }.

والأصل في الاشارة أن تكون إلى متعين إما بحضور شخصه، أو بتعين وصفه، كما تقدم في قوله تعالى { أولئك على هدى من ربهم } ، والمشار إليهم هنا ليست شخوصهم كلها معلومة للرسول صلى الله عليه وسلم، كما يدل عليه قوله تعالى { لا تعلمهم نحن نعلمهم } ، وثم الكثير من الأحاديث الدالة على أن جمهرة من المنافقين لم يكونوا متعينين بشخوصهم للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، وإنما جازت الاشارة إليهم لما تقدم من الآيات الكاشفة لأحوالهم، المحددة لأوصافهم، التي جعلتهم كأنما يشاهدون رأي العين.

والاشارة هنا لا تفيد قربا ولا بعدا لعدم الاشارة إلى مكان المشار إليه.

والاشتراء هو أخذ المثمن ودفع الثمن، فهو كالابتياع، وذهب بعض أئمة اللغة إلى أن فعل وافتعل يتعاقبان في مادة الشراء، ولعلهم يستدلون لذلك بقول الشاعر:

فإني شريت الحلم بعدك بالجهل

وانتقد ابن عاشور التسوية بينهما، وذكر أن الذي جرأهم عليه سوء التأمل في قوله تعالى:

Unknown page