Jawāhir al-Tafsīr
جواهر التفسير
والبحر يمده من بعده سبعة أبحر
[لقمان: 27]، ويطلق المد على زيادة العمر غير أنه يتعدى باللام، وادعى بعض المفسرين أنه هو المراد هنا، وأن انتصاب الضمير إنما هو باب الانتصاب بنزع الخافض، ويرده أن نزع الخافض ليس قياسيا، ولا يكون إلا مع أمن اللبس، واللبس هنا حاصل.
والطغيان مصدر كالشكران والكفران، وهو دال على المبالغة في الطغي وأصله من طغى الماء إذا جاوز حده المألوف، واستعمل عرفا في مجاوزة الحد في العصيان.
ولا إشكال في إسناد المد في الطغيان إلى الله تعالى لما علمته من أن العقيدة الحقة أن أفعال العباد مخلوقة له تعالى، وأن كل ما يحدث إنما هو بإرادته.
ومن حيث إن المعتزلة ينفون عن الله سبحانه خلق أفعال العباد حملوا المد هنا على خذلانهم، ومنعهم الألطاف التي يهبها تعالى عباده المؤمنين، أو على عدم قسرهم وإلجائهم إلى الطاعة، أو على أنه سبحانه خلى بينهم وبين الشيطان فتمكن من إغوائهم.
وذهب العلامة ابن عاشور إلى أن إسناد المد إلى الله عز وجل هنا هو من باب إسناد ما خفي فاعله إليه تعالى لأنه الموجد للأسباب الأصلية والمرتب لنواميسها بكيفية لا يعلم الناس سرها، من غير مشاهدة من تسند إليه على الحقيقة غيره، وذلك أن النفاق إذا دخل القلوب كان من آثاره عدم انقطاعه عنها، ولما كان من شأنه أن تنمى عنه الرذائل المتنوعة، كان تكونه في نفوسهم ناشئا عن شتى الأسباب في طباعهم، متسلسلا بحسب ارتباط المسببات بأسبابها، وهي أسباب شتى، وقد حرمهم الله توفيقه الذي يباعدهم عن تلك الجبلة بمحاربة نفوسهم، فكان هذا الحرمان مقتضيا استمرار طغيانهم وتزايده بالرسوخ، ومن حيث إن الله سبحانه هو الذي خلق النظم التي هي أسباب ازدياده أسند هذا المد إليه، وهذا الاسناد معدود من الحقيقة العقلية، هذا ما ذهب إليه، وهو في جوهره يتفق مع مذهب المعتزلة وإن اختلف المذهبان من حيث إن المعتزلة يعدون هذا الاسناد من باب المجاز العقلي كما هو واضح من كلام الزمخشري.
وتعريف الطغيان بالاضافة إلى الضمير العائد إليهم، إما للاشعار بأنه حاصل بسبب إخلادهم إلى النفاق من تلقاء أنفسهم من غير أن يجبروا عليه، وإما للاشعار بأنه نوع غريب من الطغيان اختصوا به ولم يشاركهم فيه غيرهم.
وفسر ابن عباس الطغيان هنا بالكفر، أخرجه عنه ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي، وأخرج مثله ابن جرير عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه -، وروي عنه تفسير مدهم بالاملاء لهم، وروي عن أبي العالية وقتادة، والربيع ابن أنس، ومجاهد، وأبي مالك وعبدالرحمن بن زيد نحو ما تقدم في تفسير الطغيان.
والعمه فسر بالتردد والتحير، وروى ابن جرير عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - أنه فسر يعمهون بيتمادون، وروى ابن أبي حاتم وابن المنذر وابن جرير عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - مثله، وأخرج الفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد ابن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، أنه فسره بيلعبون ويترددون.
وأصله انطماس البصيرة، فهو كالعمى، إلا أن بعضهم قال بأن العمى مختص بالبصر، والعمه بالبصيرة، وذهب الزمخشري إلى أن العمى عام، والعمه خاص بالقلب، وهذا أولى لقوله تعالى:
Unknown page