Jawāhir al-Tafsīr
جواهر التفسير
فنجهل فوق جهل الجاهلينا
وعزا ابن عطية هذا القول إلى جمهور العلماء.
وأرى أنه لا يختلف عما قبله، فإن إطلاق الاستهزاء على الانتقام لا يعني إلا العقوبة على ما صدر من المنتقم منه من الاستهزاء والاستخفاف.
وذهب آخرون إلى أن إسناد الاستهزاء هنا إلى الله إنما هو من حيث كونه سبحانه يصرف عن عباده المؤمنين ضرر استهزاء خصومهم، وينزله بالمستهزئين، وفي هذا ما يشبه الاستهزاء بهم، فلذلك استعير له اسمه، وقيل: لما كان الاستهزاء من لازمه حقارة المستهزأ به وهوانه، والمنافقون من الحقارة والهوان بمكان، أطلق اسم الملزوم على اللازم على طريقة المجاز الإرسالي، وقيل: إن الاستهزاء هنا عبارة عما شرعه الله من أحكام في الدنيا تجعل المنافقين يطمئنون إلى أنهم لا يختلفون عن الذين آمنوا، مع أنه تعالى أعد لهم في الآخرة عذاب الهون، كما أظهروا للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين أمرا يبطنون ضده.
وضعف الفخر الرازي هذا القول؛ لأنه تعالى عندما شرع لهم هذه الأحكام في الدنيا لم يكتم عنهم مصيرهم في الآخرة.
وقيل: إن الله سبحانه عاملهم معاملة المستهزئ في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فمن حيث أظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما كانوا يخفونه، وأما في الآخرة فقد روي أنه يفتح لأحدهم باب إلى الجنة فيقال هلم هلم، فيجيء بكربه وغمه، فإذا جاء أغلق دونه، ثم يفتح له باب آخر فيقال هلم هلم، فيجيء بكربه وغمه فإذا أتاه أغلق دونه، فما يزال كذلك حتى أن الرجل ليفتح له باب فيقال هلم هلم فما يأتيه، عزي ذلك إلى ابن عباس والحسن، وقال قوم: إن النار تجمد كما تجمد الإهالة، فيمشون عليها ويظنونها منجاة فتخسف بهم، وحمل ابن جرير هذا الاستهزاء على ما أخبر الله تعالى به في قوله:
يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا ورآءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب
[الحديد: 13].
ومهما يكن فإن حقيقة الاستهزاء منتفية عن الله سبحانه، ولا معنى لما يقوله البعض من امتناع التأويل وحمل هذا اللفظ على حقيقته مع مراعاة التنزيه في جانب الله تعالى، فإن من لازم الحمل على الحقيقة التشبيه، وهو لا يمكن أن يجامع التنزيه، على أن المتأولين هم أرسخ قدما في العربية، كما أنهم أعمق فهما لمقاصد القرآن، وإن أطال ابن جرير في الانتصار للفريق الآخر، ولم يبعد الألوسي رأيهم عن الصواب.
والمد الزيادة مأخوذ من مده، وفي معناه أمده، وفرق بينهما بعضهم بأن المجرد يستخدم في معنى زيادة الشر، والمزيد في زيادة الخير، وهي في الحقيقة قاعدة أغلبية كما أفاد القطب رحمه الله وغيره، ويدل على عدم التفرقة قراءة ابن محيصن وشبل بضم الياء من أمد الرباعي، ونسبت هذه القراءة إلى ابن كثير، كما يدل على ذلك أيضا قوله تعالى:
Unknown page