260

يبين لنا الله تعالى هنا نمطا من أنماط معاملتهم لغيرهم، وأسلوبا من أساليب الخداع التي يلجأون إليها، هروبا من الفضيحة، وركونا إلى السلامة مما يترتب على انهتاك سترهم وظهور أمرهم، فهم يلقون الناس بوجهين، ويتحدثون إليهم بلسانين لأجل إرضاء كل طائفة والتوقي من كل فريق، وهو شر ما يكون في الانسان، ولذلك ترتب عليه أعظم الوعيد، كما جاء في الحديث:

" من كان له وجهان في الدنيا كان له وجهان من النار يوم القيامة، ومن كان له لسانان في الدنيا كان له لسانان من النار يوم القيامة ".

طريقة المنافقين في التعامل:

هذه الطريقة متبعة عند منافقي جميع العصور على اختلافها، فهم عندما يحسون بقوة الحق، وظهور المحقين لجأوا إلى هذا المسلك، فلقوا المحقين بوجه، والمبطلين بآخر، متصورين أن هذه براعة وفطنة وذكاء، وما هي إلا غباوة ونذالة وانحطاط وسفاهة، لا يرضاها إلا الأدنياء، فلذلك عدوا أسوأ حالا ممن أعلن باطله وجاهر بكفره، فإنهم مع ما اشتركوا فيه مع الكفار من عقيدة الكفر، تميزوا بهذا الأسلوب الذي يسخرون به من المؤمنين ويستخفون به بما أنزل الله من الحق، وتلك هي الحقيقة التي يبدونها لشياطينهم حتى يطمئنوا إليهم ويثقوا فيهم.

وإنما قلت إن هذا هو ديدن أهل النفاق عندما يشعرون بسلطان الحق، ويرون آثار مده، لأن استشراء النفاق إنما بدأ بعد ما أخذ الاسلام يهز قواعد الكفر ويزلزل أركان الجاهلية، وقد علمت مما تقدم أن النفاق إنما عهد بعد غزوة بدر التي جعلت شياطين الكفر يحسبون كل حساب لهذا الدين، ولم يكن الذين لجأوا إلى النفاق من الشهامة والرجولة بحيث يتمكنون من المنابذة الصريحة والمقاومة المكشوفة، فلم يجدوا أمامهم إلا هذه الطريقة الملتوية فصاروا مذبذبين بين الطائفتين.

وقوله عز من قائل { وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا } توطئة لما بعده، فلا يعد تكرارا لما في قوله { ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر }.

وأرى أن هذا العطف والذي قبله جيء بهما لتعداد مساوئ أهل النفاق كما سبق ذكره.

وذكر كثير من المفسرين في سبب نزول هاتين الآيتين قصة أخرجها الثعلبي والواحدي في أسباب النزول من رواية السدي الصغير، ومحمد بن مروان عن أبي صالح عن ابن عباس - رضي الله عنهما -، وملخصها أن عبدالله بن أبي وأصحابه خرجوا يوما فاستقبلهم نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عبدالله: أنظروا كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم. فأخذ بيد أبي بكر فقال: مرحبا بالصديق سيد بني تيم وشيخ الاسلام وثاني رسول الله في الغار، الباذل ماله ونفسه لرسول الله، ثم أخذ بيد عمر فقال: مرحبا بسيد بني عدي الفاروق القوي في دين الله، الباذل نفسه وماله لرسول الله، ثم أخذ بيد علي فقال: مرحبا بابن عم رسول الله وختنه، سيد بني هاشم ما خلا رسول الله، ثم افترقوا فقال لأصحابه: كيف رأيتموني فعلت؟ فأثنوا عليه خيرا، فنزلت الآيتان فيهم.

وإسناد هذه القصة من الضعف بمكان، فقد ذكر الحافظ في تخريجه أحاديث الكشاف أن محمد بن مروان متروك متهم بوضع الحديث، وقال عن هذا الحديث إنه في غاية النكارة، وذكر الألوسي أن سلسلة هذه الرواية سلسلة الكذب وليست بسلسلة الذهب.

وأنتم إذا نظرتهم إلى سياق الآيات رأيتموها متناسقة، آخذا بعضها بحجزة بعض، كل آية منها كاشفة عن جانب مهم من مساوئ أهل النفاق، وذلك يقتضي عدم انفصال بعضها عن بعض بالاستقلال بالسببية، وإنما مجموع أعمال المنافقين في مجملها سبب رئيسي لنزول جميع هذه الآيات.

Unknown page