259

فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا

[البقرة: 282]، ويطلق السفه في الاسلام على تفويت المنفعة العاجلة أو الآجلة، ومنه قوله سبحانه وتعالى:

ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه

[البقرة: 130].

وقد انتصر الله سبحانه لعباده المؤمنين وحزبه المفلحين من أعدائهم المنافقين بأن سجل عليهم صفة السفه التي رموهم بها ووسمهم مع ذلك بالجهل، وما أضل من حكم الله عليه بالسفه، وما أحير من رماه تعالى بالجهل.

وجاء الرد مصدرا بأداة الاستفتاح ومؤكدا بحرف التأكيد، ومعرفا طرفاه - وهما المسند والمسند إليه مع توسيط ضمير الفصل بينهما - كل ذلك لتأكيد الدلالة على أن السفاهة مقصورة عليهم دون المؤمنين الذين وسموهم بها، وقد جعل سفههم من الظهور بحيث لا يخفى على متأمل، ولكن جهلهم بالأمور هو الذي حال بينهم وبين إدراكه ولذلك ذيلت الآية بقوله { ولكن لا يعلمون }.

وجاءت هذه الفاصلة مغايرة لما قبلها، ففي تلك نفي عنهم الشعور، وفي هذه نفي العلم اعتبارا لما وصفوا به في المقامين، فثم وصفوا بالفساد، والفساد أمر محسوس يتجلى لكل من له نظر؛ لما يترتب عليه من إهاجة الفتن وسفك الدماء وتقطيع الصلات وإثارة الأضغان وتأجيج الأحقاد، وما من شيء من ذلك إلا وضرره معلوم، وخطره محسوس، فإيثار التلبس به لا يكون إلا ممن بلغت به البلادة وانطماس الفكر إلى فقدان الإحساس، وهنا وصفوا بالسفه المنافي للعلم، فاقتضى المقام أن ينفى عنهم العلم ليتم الطباق بين ما أثبت لهم ونفي عنهم.

وأيضا فإنهم هنا مخاطبون بالإيمان، وأمر الإيمان لا يتضح إلا لمن كان على علم به؛ لأنه يقتضي فهم عاقبة المؤمنين وعاقبة أضدادهم الكفار، كما أن للايمان مسالك ومبادئ وغايات، قد تكون من الدقة بحيث تخفى على من لم ينور الله بصيرته بالعلم، ويشرح صدره بالعرفان، وهؤلاء المنافقون بسبب إخلادهم إلى العناد وإصرارهم على نهج المسالك الملتوية لم يكونوا على استعداد ذهني لادراك هذه الحقائق، فكانوا أحرياء بأن يوصفوا في هذا الموقف بعدم العلم.

هذا وقد علمتم مما أسلفته غير مرة أن هذه الصفات الدنية لا تنحصر في ذلك الفريق المحدود العدد من منافقي المدينة في عهد النبوة، وإنما تنجر إلى كل من كان على شاكلتهم في جميع العصور، فالذين يسفهون الحق، ويزينون الباطل، ويحتقرون المحقين، ويجلون المبطلين، هم أحقاء بكل هذه الأوصاف من الفساد وفقدان الإحساس والوعي، وعدم المعرفة بحقائق الأمور وعواقبها.

[2.14-15]

Unknown page