359

Jāmiʿ al-Anwār fī manāqib al-akhyār

جامع الأنوار في مناقب الأخيار

============================================================

يصنع؟ فلما صار المردي بيده صعد إلى الزورق فلم يزل يكسر الدنان دنا دنا حتى أتى على آخرها إلا دنا واحدا والملاح يستغيث إلى أن ركب صاحب الجسر وهو يوميذ مونس أفلح(1)، فقبض على النوري وأشخصه بين يدي المعتضد، وكان المعتضد سيفه قبل كلامه، ولم يشك الناس آنه سيقتله، قال: فادخلت عليه وهو جالس على كرسي من حديد وييده عمود يقلبه، فلما رآني قال لي: من أنت؟ قلت: محتسب. فقال: من ولاك الحسبة؟ قلت: الذي ولاك الخلافة ولاني الحسبة، قال: فأطرق رأسه إلى الأرض ساعة ثم رفع رأسه إليه وقال: ما الذي حملك على ما صنعت؟

فقلت: شفقة مني عليك، فبسطت يدي إلى صرف مكروه عنك، فأطرق مفكرا من كلامي ثم رفع رأسه إلي وقال لي: كيف تخلص هذا الدن الواحد من جملة الدنان؟ فقلت: في خلاصة سر خفي، أخبر به أمير المؤمنين إن أذن لي، فقال: أخبرني، فقلت له: يا أمير المؤمنين، إني أقدمت على الدنان كلها بمطالبة الحق لي بذلك، فلما غمر قلبي من مشاهدة الإجلال للحق عز وجل، وخوف المطالبة، غابت هيبة الخلق عني فأقبلت عليها بهذه الحال إلى أن صرت إلى هذا الدن، فامتلأت نفسي كبرا وفخرا حيث أقدمت على مثلك يا أمير المؤمنين، فامتنعت لذلك من الدن الباقي، فلو بقيت على الخاطر الأول لكسرت ملأ الدنيا ولم أبال، فقال المعتضد: اذهب فقد أطلقنا يدك فغير ما أحبيت تغييره من المنكر، فقلت: يا أمير المؤمنين بغض إلي التغيير لأني كنت أغير عن الله تعالى وأنا الآن صرت أغير شرطيا، ثم قال لي: ما حاجتك؟ قلت: حاجتي أن تأذن لي بالخروج فأذن له فانحدر إلى البصرة، نأقام بها إلى أن مات(5) المعتضد خوفا أن يسال الشفاعة إليه في حاجة، ثم عاد إلى بغداد.

وروي أن جماعة من الشيوخ اجتمعوا في منزل يونس بن أبي حليمة ببعغداد على سماع وفيهم الجنيد والنوري ورويم وابن وهب وغيرهم إلى آن (2) كذا في الأصل ولعله مؤن العجلي صاحب الحرس أيام المعتضد.

2) مات المعنضد سنة 299، مررج الذهب 525/2.

Page 359