Jāmiʿ al-Anwār fī manāqib al-akhyār
جامع الأنوار في مناقب الأخيار
============================================================
وأصحابه فحضرت الصلاة فتقدم وصلى بهم المغرب، وأحضر الطعام، فجعل ويأكل ويحدث معهم، فقال أحمد: هذا من السنة، فلما فرغوا من الطعام وغسلوا أيديهم وجلس الحارث وجلس أصحابه، فقال: من أراد منكم أن يسأل عن شيء فليسأل، فسؤل عن الإخلاص وعن الرياء وعن مسائل كثيرة، فأجاب عنها واستشهد عليها بالأي والأحاديث، واحمد يسمع ولا ينكر شيئا، فلما مر هوي من الليل أمر الحارث قارثا أن يقرأ شيئا من القرآن، فقرأ فبكى بعضهم وانتحب آخرون ثم سكت القاريء، فدعا الحارث بدعوات خفاف ثم قام إلى الصلاة فلما أصبحرا قال احمد: قد كان بلغني أن ههنا مجالس الذكر يجتمعون عليها فإن كان هذا من تلك المجالس فلا انكر منها شيثأ.
وقال أبو العباس الهاشمي من ولد صالح بن المأمون قال: دخلت على الحارث المحاسبي فقلت له: يا أبا عبد الله حاسبت نفسك، فقال: قد كان هذا قبل، قلت له: فاليوم؟ قال: أكاتم حالي، إني لأقرا آية من كتاب الله تعالى فأضن بها أن تسمعها نفسي، ولو لا أن يغلبني بها فرح ما أعلنت بها، وقد كنت ليلة قاعدا في محرابي فإذا أنا بفتى حسن الوجه، طيب الرائحة فسلم علي ثم قعد بين يدي، فقلت له: من أنت؟ فقال: واحد من السياحين، أقصد المتعبدين في محاربهم، وكم رآيت من العباد يجتهدون غاية الاجتهاد، وأما أنت فلم أجد لك اجتهادا فأي شيء عملك؟
قلت له: كتمان المصائب، واستجلاب القوائد، فصاح صيحة وقال: ما علمت أن أحدا بين جنبي المشرق والمغرب هذه صفته، قال الحارث فقلت له: أما علمت أن أهل القلوب يخملون أحوالهم فيكتمون أسرارهم، ويسالون الله تعالى كتمان ذلك عليهم، فمن أين تعرفهم؟ فصاح صيحة اخرى وغشي عليه، فمكث عندي يومين وهو لا يعقل، ثم افاق وقد أحدث في ثيابه، فأخرجت له ثوبأ جديدا فقلت له: هذا كفني قد آثرتك به فاغتل وأعد صلاتك، قال: هات الماء، قأتيت به واغتسل وصلى ثم التحف الثوب وخرج، فقلت له: أين تريده فقال لي: قم، فلم يزل يمشي
Page 292