293

Jāmiʿ al-Anwār fī manāqib al-akhyār

جامع الأنوار في مناقب الأخيار

============================================================

حتى دخل على المأمون أمير المؤمنين، فسلم عليه فقال: يا ظالم، إن لم أقل لك يا ظالم، استغفر الله تعالى من تقصيري فيك، أما تتقي الله عز وجل فيما قد ملكك، وتكلم بكلام كثير، ثم اقبل يريد الخروج وانا جالس بالباب، فأقبل عليه المامون وقال: من أنت؟ فقال: رجل من السياحين تفكرت فيما عمل الصديقون قبلي فلم أجد لنفسي فيه حظا، فتعلقتك بموعظتك لعلني الحقهم، فأمر بضرب عنقه، وأخرج وأنا قاعد على الباب ملفوفا في ذلك الثوب، ومناد ينادي من ولي هذا فليأخذه، قال الحارث، فاختبيت فأخذه أقوام غرباء فدفنوه، وكنت معهم لا أعلمهم حاله، فأقمت في مسجد في المقابر محزونا على الفتى، فغلب النوم عيني فرآيته في المنام وهو بين جوار لم أر أحسن منين وهو يقول: يا حارث أتيت والله الكاتمين الذين يكتمون أحوالهم ويطيمون ربهم، قلت: واين هم، قال: الساعة يتلقونك، واذا أنا بجماعة ركبان، فقلت: من آنتم؟ فقالوا: نحن الكاتمون شجونهم المخففون أحوالهم وشؤونهم، الباذلون نفوسهم، المطيعون لقذوسهم، حرك هذا كلامك له، فلم يكن في قلبه شيء مما وصفت فخرج للأمر والتهي فأنزله الله تعالى معنا وغضب لعبده.

و قال قدس سره: عملت كتاب المعرفة واستقصيته وأعجبت به، فبينما أنا ذات يوم أنظر قيه مستحسنا له إذ دق إنسان الباب، فقلت من هذا؟ فقال: رجل يسأل عن مسألة، قلت: أدخل، فدخل علي رجل وعليه ثياب رثة فسلم علي وقال لي: يا أبا عبد الله، المعرفة حق للحق في الخلق أو حق للخلق على الحق، فقلت له: حق للحق في الخلق، فقال: هو أولى بكشفها لمستحقها، فقلت له: بل حق للخلق على الحق، فقال: هو أعدل من أن يظلمهم، ثم سلم علي وخرج، قال الحارث: فأخذت الكتاب ومزقته وقلت: لا عدت اتكلم في المعرفة بعد ذلك.

وروي آنه رحمه الله قعد على ركبتيه أربعين سنة ولم يستند إلى شيء، فسئل عن ذلك، فقال: أستحي في مشاهدة الرب من أن أجلس وأنا أسيء الأدب وقيل آنشد فوال بين يديه هذه الأبيات:

Page 293