243

Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

وبمراجعة مجموع كتاباته يتبين أنه يقصد الأشاعرة والماتريدية ؛ فإن أولئك آمنوا بكل ما جاء عن السلف ، ولكنهم لم يسلكوا في الاستدلال طريق استخراج الأدلة من القرآن ، بل سلكوا المسلك العقلي ، بسبب الخصومة الشديدة التي وقعت بينهم وبين المعتزلة ، فاضطروا أن يستخدموا أسلحتهم ، والمحارب مأخوذ دائماً بسلاح خصمه ، فلا بد أن يستخدم من الأسلحة ما يستخدم خصمه ؛ وقد استخدم أولئك المنطق والأدلة العقلية ، فعلى من ينازلهم أن يستخدم ما استخدموا من مسالك وبراهين ،

٢٥٧- من هذا النقد الذي وجهه ابن تيمية لهذه الفرق يتبين أنه يرى أن القرآن بما فيه من أدلة وحجج فيه غناء لطالب العقيدة الإسلامية ، لا لأنه كتاب ثبت أنه من عند الله ؛ بل للأدلة التي يسوقها لإثبات الوحدانية والصفات واليوم الآخر والميعاد؛ فهو ليس فيه الإخبار فقط ، بل فيه الدليل على صحة الخبر ، فهو في نفسه يحمل دليل صدقه .

وأشد ما يأخذه على الذين خالفهم من المتقدمين والمتأخرين أنهم أهملوا أدلة القرآن ، ولعل أشد ما أثر فيه أنه رأى الفلاسفة لم يكتفوا بعدم الالتفات إلى أدلة القرآن ، بل تهجموا فقالوا: إنها أدلة خطابية إقناعية وإنها ليست براهين قطعية ملزمة ، وأن البراهين الحقيقية هي ما اشتمل عليه علم المنطق ، بل إنه ليرى أن المتكلمين من المعتزلة ، ومن نهج منهاجهم في الاحتجاج من الأشاعرة وإخوانهم الماتريدية يقرون مقال الفلاسفة في هذا، بل إن بعضهم ليصرح بمثل ما صرح به أولئك الفلاسفة، فالرازي يقول: ((إن الاستدلال بالسمعيات في المسائل الأصولية لا يمكن بحال ، لأن الاستدلال بها موقوف على مقدمات ظنية، وعلى رفع المعارض العقلي، وإن العلم بانتفاء المعارض لا يمكن ، إذ يجوز أن يكون في نفس الأمر دليل عقلي يناقض ما دل عليه القرآن، ولم يخطر ببال المستمع . وقد بسطنا

242