235

Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

ثم تعرف أسرار البلاغة في أسلوب القرآن وطرائق إعجازه أكان يحجم عنه ابن تيمية ويعده بدعاً من النظر، ويغفل ذلك باباً من أبواب الإعجاز، بل أوضح باب فيه.

إننا نعيذ ابن تيمية من أن يتجه ذلك الاتجاه السلبي، إنه يتعرف من القرآن الإشارات والمرامي القريبة والبعيدة، كما نرى في تفسير قوله تعالى: الطيبات للطيبين، إذ يقرر أن الاجتماع بين الأنثى والذكر بغير عقد صحيح اجتماع ضعيف، وأن الاجتماع القوي هو اجتماع القلوب، ويقول: ودل قوله تعالى الطيبات للطيبين على ذلك من جهة اللفظ، ودل أيضا على النهي عن مقارنة الفجار، وزواجهم، فالمصاحبة والمصاهرة والمؤاخاة لا تجوز إلا مع أهل طاعة الله تعالى على مراد الله، ويدل على ذلك الحديث الذي في السنن: لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي(١))).

ولا شك أن هذا فهم من الآية بالإشارة البعيدة، والإشارة القريبة.

٢٥٠- وإذا كان ابن تيمية يرى ذلك، ويرتضيه ويفسر به، فكيف نفهم منه التوقف عن التفسير بالرأي المجرد؛ وماذا يكون موضع الخلاف بينه وبين الغزالي رضي الله عنهما؟

يظهر لي أن الخلاف بينهما في موضعين: أولهما - أن التفسير الظاهر عند ابن تيمية يعتمد على الآثار، سواء أكانت آثار الصحابة أم كانت آثار التابعين، ثم المعاني اللازمة التي تفهم من لحن القول تستفاد من بعد ذلك تحت ظل تلك الآثار وما علم من الدين بالضرورة، وما جاءت به الأخبار الصحاح، كما ترى في الآية السابقة فإنه كان يأخذ منها اللوازم، ويستشهد على صحتها بالأحاديث النبوية، وفي أسرار البلاغة يعرف أصل المعنى من الآثار، وفي ظله يتعرف أسرار البلاغة، ودلائل الإعجاز. أما الغزالي فإنه يتعرف السند الصحيح المسموع به النبي في الآية، ولا يقف إلا عنده فإن لم يكن اجتهد في الفهم برأيه، وسار على ضوء ذلك

(١) تفسير سورة النور لابن تيمية ص ٣٦.

234