234

Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

في الترقّي إلى درجة أعلى منها، فأما الاستيفاء فلا مطمع فيه، ولو كان البحر مداداً والأشجار أقلاماً، فأسرار كلمات الله عز وجل لا نهاية لها... فمن هذا الوجه يتفاوت الخلق في الفهم بعد الاشتراك في معرفة ظاهر التفسير، وظاهر التفسير لا يغني(١).

٢٤٩- ذلك رأي ابن تيمية ينفر من الرأي في تفسير القرآن، كما تدل عباراته وما يسوقه من أدلة لها، أما الغزالي فلا يتقيد كما رأينا بالتفسير الأثري ولكن لا يبيح معارضته، والإتيان بخلافه إذا كان ثابتاً بسند صحيح وتحقق فيه السماع من النبي صلى الله عليه وسلم؛ وإنما يتقيد المفسر كل التقييد بأساليب اللغة العربية، ومنهاج القرآن في البيان والمأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم، والعموم والخصوص والتقييد والإطلاق، والإضمار والحذف في القرآن الكريم، وإذا تحقق ذلك فإنه يغوص فيما وراء ذلك من المعاني، ويستخرج من الأسرار المطوية في ثنايا الألفاظ ما تشير إليه العبارات، ويوميء إليه الأسلوب ويحققه تفكير العلماء، واتساع أبواب العلوم.

ولكن هل يضيق صدر ابن تيمية عن هذا الاتجاه، أي أنه لا يحاول فهم أسرار القرآن، والاتجاه إلى الغوص عن معانيه وأسراره؟ إننا نرى ابن تيمية في استنباط علل الأحكام، ونعرف غاياتها ومراميها، والمناط الذي تسير وراءه يغوص وراء المعاني المصلحية يتعرفها؛ ويسير في ظلال الكتاب والسنة مهتدياً بهديهما، ويغوص غوصاً عميقاً يدل على بعد غوره الفقهي؛ ولا يقف عند حدود ظواهر الألفاظ، بل يتجه إلى تعرف المرامي والغايات المصلحية، وإن الآيات الكونية والنفسية متسعة الأفق وقد كشف من ظواهر الكون ما يتبين معه إحكام القرآن ودقة معانيه؛ فهل كان ابن تيمية يتجافى عن كل هذا ويرى فيه بدعاً لا يصح السير وراءه، ولا يرى في الوقوف إحجاماً عن تفهم جزء من إعجاز القرآن بمعانيه،

(١) الإحياء جـ ١ ص ٢٦٢، ٢٦٣ ٢٦٤

233