233

Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون))، فالمعنى الظاهر لكل ملم باللغة العربية هو أن السموات والأرض كانتا متصلتين، وهذا معنى سليم هو الظاهر، والعالم المدرك للأكوان الباحث فيها يعرف كيف كانت السماء والأرض هي الكتلة الشمسية، وكيف انفصلت الأرض عن السماء، وهذا تشير إليه الآية، وإن كان لا يفهمه إلا العالم بالكون والدارس لظواهره وأدواره.

٢٤٨- والغزالي يقرر أن المعنى الذي يؤخذ من ظواهر الألفاظ العربية، ويثبت بعضه من السماع عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة هو الطريق للمعنى العميق الذي يدركه الناس كلما تقدم العلم واطلع الناس على ظواهر الكون، وكشفوا من خواصه ما كان مجهولاً من قبل؛ ولا سبيل لمعرفته تلك المعاني العميقة إلا بالمعاني الظاهرة المكشوفة؛ ويقول الغزالي رضي الله عنه في ذلك ما نصه:

((النقل والسماع لابد منه في ظاهر التفسير أولاً ليتقى به مواضع الغلط، ثم بعد ذلك يتسع التفهم والاستنباط واستخراج الغرائب التي لا تفهم إلا بالسماع كثيرة ولا مطمع في الوصول إلى الباطن قبل إحكام الظاهر، ومن ادعى فهم أسرار القرآن، ولم يحكم التفسير الظاهر، فهو كمن يدعي البلوغ إلى صدر البيت قبل مجاوزة الباب، أو يدعي فهم مقاصد الأتراك من كلامهم، وهو لا يفهم لغة الترك، فإن ظاهر التفسير يجري مجرى تعليم اللغة التي لابد منها للفهم)).

والمعنى الباطن الذي يقصده ليس هو ما يفهمه الباطنية كما ذكرنا؛ إنما المعنى الباطن هو تحري الدقائق التي تكون في مطوي ألفاظ القرآن، والأسرار التي لا يدركها إلا العلماء الراسخون في العلوم المختلفة، كل بمقدار طاقة علمه، بعد فهم ظاهر اللفظ وما فيه من مجاز وحذف وإضمار وعموم وخصوص وإطلاق وتقييد ويقول في معاني القرآن وما فيه من أسرار ما نصه:

((إنما ينكشف للراسخين في العلم من أسراره بقدر غزارة علمهم، وصفاء قلوبهم، وتوفر دواعيهم على التدبر، وتجردهم للطلب، ويكون لكل واحد حد

232