Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه
Publisher
دار الفكر العربي
الخاص؛ وإدراك مواضع الإضمار والحذف، والتقدير والتأخير، وغير ذلك من الأساليب القرآنية المعجزة؛ فإن ذلك يكون تفسيراً بالرأي من غير مؤهلاته: واجتهاداً في الفهم من غير أدواته، وحينئذ يكون الخطأ، ويكون السقط.
وليس ذلك من التفسير بالرأي، إنما ذلك من التهجم على ما لا يحسن، والعمل فيما لا يتقن، وذلك قبيح في كل شيء.
٢٤٧- وينتهي الغزالي، وتبعه القرطبي، والأكثرون إلى أنه لا يصح الاعتماد على النقل وحده، والاقتصار عليه في فهم القرآن، كما لا يصح الاعتماد على الرأي وحده، والاقتصار عليه في فهم القرآن الكريم، إنما الطريقة المثلى أن يعتمد على السماع والمأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم في فهم القرآن؛ وإن معرفة ظاهر القرآن الذي تدل عليه الألفاظ لابد فيه من الاعتماد على النقل إن كان نقلاً صحيحاً؛ وفي ظل هذا النقل، وفي ظل الدلالات اللغوية للألفاظ يعمل العقل في استخراج معاني القرآن الكريم المتسعة الأفق، البعيدة المدى؛ التي توجه العقل والفكر إلى أعمق الحقائق الكونية والنفسية، وكلما تفتح العقل فيها عن إدراك ظواهر كونية إدراكاً صحيحاً وجد في القرآن ما يشير إليها، وإنه كلما اتسع أفق العقل البشري في فهم الكون والحقائق والشرائع اتسع فهمه للقرآن الكريم؛ ولعل ذلك هو الحقيقة التي أشار إليها بعض الصحابة إذ قال أبو الدرداء: «لا يفقه الرجل حتى يجعل للقرآن وجوها»، ولقد روى ابن حبان عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن للقرآن ظاهراً وباطناً وحداً ومطلعاً»، وليس الباطن هو الذي يقوله بعض الشيعة من أنه هو الذي اختص به أوصياء النبي صلى الله عليه وسلم، إنما الباطن هو الإشارة القرآنية البيانية إلى الحقائق الكونية والنفسية والتشريعية وغير ذلك من المعاني التي يدركها العالم المتعمق ذو البصيرة النيرة الذي آتاه الله نفاذ عقل؛ واستقامة فكر؛ كالذي يدركه علماء الأكوان في قوله تعالى: «أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما، وجعلنا من
231