230

Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

٢٤٥- ولم يقتصر الغزالي على تأييد القائلين إن القرآن يفسر بالرأي، بل إنه ينقد حجة الوقافين الذين لا يتجاوزون التفسير المأثور عن الصحابة والتابعين وينقدهم من وجوه:

أولها: أنه لأجل أن يكون التفسير كله للرسول يجب أن يكون كل المأثور في التفسير عن السلف منسوباً إلى الرسول بسند صحيح ومسموعاً منه، وذلك لم يثبت إلا في بعض من القرآن، لا في كله؛ وإذا كان عليه السلام قد فسر القرآن كله، فلم يصل إلينا إلا بعضه، فمن حقنا أن نتعرف معاني البعض الثاني معتمدين على المنقول عنه عليه السلام في تفسير بعضه.

ثانيها: أن ما يقوله الصحابة في التفسير ولم تثبت نسبته إلى الرسول عليه السلام هو تفسير منهم برأيهم، وإذا كان أولئك هم الذين سبقونا بإحسان، فمن الواجب علينا أن ننهج على مثل طريقتهم، ونسير مثل سيرهم، ونسترشد بآرائهم في التفسير كما نسترشد بآرائهم في الفقه، وكما نعتبر كلامهم العربي حجة؛ وإن ذلك كله لا يمنع أن نفهم القرآن باجتهادنا متى توافرت لنا أدوات الفهم السليم، المبني على أساس مستقيم.

ثالثها: أن الصحابة ومثلهم التابعون الذين نقلوا عنهم قد اختلفوا في تفسير بعض الآيات، فقالوا فيها أقاويل مختلفة لا يمكن الجمع بينها، وسماع جميعها من الرسول محال، ولو كان الواحد مسموعاً لرد الباقي؛ ولا يعلم ما يرد وما يبقى، لأن المسموع منها غير متعين ولا معروف. وإن ذلك ينتهي بنا إلى أمرين لا محالة:

(أحدهما) أن أحد هذه الأقوال بالرأي ولم يكن مسموعاً، وحينئذ يكون الصحابة قد فسروا برأيهم؛ ويكون لمن أوتي أدوات الفهم من علم باللغة والسنة وقواعد الإسلام أن يفهم ويفسر برأيه مقتدياً بهم.

(وثانيهما) أن المقتفي للآثار المتقيد بها سيختار من بينها على أساس من الاستنباط والترجيح، وإن ذلك الاختيار ما هو إلا فهم بالرأي والاستنباط؛

229