229

Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

من أراد علم الأولين والآخرين فليتدبر القرآن، وإن ذلك بلا ريب لا يكون بغير تعمق في الفهم، وتعرف بالإشارة والمرامي، من غير اقتصار على ظاهر الألفاظ والمعاني.

(ثانيها) أن في القرآن بيان صفاته سبحانه وأفعاله، وذكر ذاته القدسية، وأسمائه الحسنى؛ وإن فهم ذلك مع التنزيه عن المشابهة للحوادث يحتاج إلى تدبر فهم من غير وقوف عند الظواهر؛ وجمع بين المؤتلف، ونفي للقول المختلف.

(ثالثها) أنه قد ورث آثار تدعو إلى الفهم والتدبر في معاني القرآن، فقد قال علي رضي الله عنه: "من فهم القرآن فسر به جمل العلم، وذلك لا يكون إلا بالتعمق في الفهم".

(رابعها) أن عبارات القرآن الكريم تدعو إلى التعمق في فهمه، فقد قال تعالى: "ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً" وقد قال مفسرو السلف إن الحكمة هي فهم القرآن؛ وإذا كان الله اعتبر فهم القرآن خيراً كثيراً فإنه سبحانه يدعو القادرين عليه على نيله، وذلك بالبحث والتأمل.

ولقد قال تعالى: "وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به؛ ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً"، وفي هذه إشارة إلى أن الأمة فيها من يستنبطون ويتعرفون معاني القرآن بالفهم الصحيح؛ كما يتعرفونها بالأثر الصحيح، وهما طريقان مستقيمان، فمن منع أحدهما فقد خالف العقل والنقل.

(خامسها) أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لابن عباس رضي الله عنهما بالفهم في القرآن، فقال عليه السلام: "اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل" وليس التأويل إلا التفسير، وفهم مرامي العبارات وغاياتها، ولو كان التفسير مقصوراً على ما ورد لقال عليه السلام (حفظه)(١)

(١) استخرجنا هذه الأدلة من الإحياء جـ ١ ص ٢٦٠، ٢٦١، ٢٦٢.

228