Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه
Publisher
دار الفكر العربي
٢٤١- وهكذا ترى أقوال الرسول، وأقوال الصحابة، وأقوال التابعين، تدل في نظر ابن تيمية على وجوب الاعتماد في التفسير على أقوال النبي صلى الله عليه وسلم، الشارح للقرآن، المبين لأحكامه، إذ بعث عليه السلام ليبينه للناس.
بل إنه ما انتقل عليه السلام إلى الرفيق الأعلى، إلا وقد بين القرآن كله، وفصله تفصيلاً، وإلا كان معنى ذلك أنه لم يبلغ رسالته ولم يتم دعوته: وإذا كان ذلك هو الواقع الذي لا يصح أن يفرض سواه، وجب أن نقر بأن النبي صلى الله عليه وسلم فسر القرآن لأصحابه، وقد جاءت الأخبار عنهم رضي الله عنهم بذلك، وعلى ذلك فالنبي قد ترك لنا مع القرآن تفسيره وشرحه. ومن يتجانف عن تفسير الرسول إلى التفسير برأيه فقد اشتط، وضل سواء السبيل.
٢٤٢- وليس ابن تيمية أول من نادى بمنع تفسير القرآن بالرأي، بل سبقه بذلك علماء آخرون، وقد دفعهم إلى ذلك تحرج السلف الصالح عن التفسير بالرأي وأنهم وجدوا بعض الذين يفسرون بالرأي قد شطوا شططاً بعيداً حتى إن بعضهم ليفسر قوله تعالى: ((اذهب إلى فرعون إنه طغى)) بأن فرعون قلبه فيشير إليه، ويومئ إلى أنه المراد، ثم اندفع من وراء التفسير بالرأي الباطنية وأشباههم في طريقتهم، فأخذوا يؤولون بغير ما يفسر به، ويؤولونها بغير تأويلها، حتى إنهم ليجعلون للقرآن ظاهراً وباطناً؛ وما جرهم إلى ذلك إلا فتح باب التفسير بالرأي، ابتدأ بمحاولة الإدراك بالعقول ثم انتهى بتحكم الأهواء في معانيه، ثم كانت الطامة في اعتبار أن له معنى ظاهراً ومعنى باطناً، فوق ما كان يفعله دعاة الفتن والفساد والزيغ الذين كانوا يتبعون ما تشابه منه، فيضلون، ويضلون غيرهم.
ولعل ابن تيمية الذي عاصر الباطنيين وجادلهم، قد دفعه إلى التمسك بذلك القول حالهم فشدد ليسد ذريعة الفساد.
٢٤٣- وإنه حتى لو وقف المفسر بالرأي عند جادة الاعتدال، ولم يتبع ما تشابه منه يبتغي تأويله ويبتغي الفتنة، فإن الاعتماد على الرأي المجرد من غير استعانة
226