Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه
Publisher
دار الفكر العربي
ويقرر ابن تيمية أن الصحابة ما كانوا يطلبون القرآن إلا لمعانيه، فهم إذا كانوا قد حفظوا القرآن، فلابد أن يكونوا قد حفظوا أيضاً معانيه، ويقول في ذلك رضي الله عنه: من المعلوم أن كل كلام المقصود منه فهم معانيه، دون مجرد ألفاظه، فالعادة تقر ألا يقرأ قوم كتاباً في فن من العلم كالطب والحساب ولا يستشرحوه، فكيف بالكلام الذي هو عصمتهم ونجاتهم وسعادتهم، وقيام دينهم ودنياهم، ولهذا كان النزاع بين الصحابة في تفسير القرآن قليلاً جداً(١))).
ويقرر أن من التابعين من تلقى تفسير القرآن كله عن الصحابة، فيروى عن مجاهد أنه قال: ((عرضت المصحف على ابن عباس أقفه عند كل آية منه، وأسأله عنها، ولهذا قال الثوري إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به، ولهذا يعتمد على تفسيره الشافعي والبخاري وغيرهما من أهل العلم، وكذلك الإمام أحمد وغيره ممن صنف في التفسير، ويقرر الطرق عن مجاهد أكثر من غيره(٢))).
وينتهي من هذا بأن تفسير القرآن وفهم معانيه انتقل كله من الصحابة إلى تلاميذهم التابعين، وأولئك ورثوا ذلك العلم لمن جاء بعدهم، فكان ذلك الفهم هو النور المبين لما في كتاب الله المبين.
٢٣٦- وإن ذلك السياق الفكري ينتهي لا محالة إلى أن الناس لم يتركوا في فهم القرآن سدى، لا راشد يرشدهم، ولا دليل يهديهم بل إن تفسير القرآن قد توارثه العلماء جيلاً بعد جيل عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وعلى ضوء هذا يسن أمثل طريق لفهم القرآن وتفسيره؛ ولذلك يجعل تفسير القرآن مراتب بعضها فوق بعض في العلم: أولاها وأعلاها - تفسير القرآن بالقرآن، فما أجمل القرآن في مكان يبينه ويفصله في مكان آخر، وما اختصر في موضع يوضح في مكان آخر؛ وإن تلك أعلى طريق؛ لأنه تفسير الله العلي القدير لكلامه، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم سأل معاذاً حين بعثه إلى اليمن: بم تحكم؟ قال
(١) الرسالة المذكورة ص ٦ (٢) الرسالة المذكورة
221