Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه
Publisher
دار الفكر العربي
وتمحيص؛ وإنه ما كان يفرض في مخالفة الضلال، أو الخطأ عن علم وقصد؛ بل يفرض أنه مجتهد، والمجتهد يخطئ ويصيب؛ بل إنه ليكتب رسالة بعنوان ((رفع الملام عن الأئمة الأعلام)) ويعتذر عنهم إذا جاءت أقوالهم مخالفة السنة الصحيحة بأعذار قوية ترفع الملام عنهم ويدعو إلى تقديرهم وإكبارهم، فيقول:
((يجب على المسلمين بعد موالاة الله ورسوله موالاة المؤمنين، كما نطق به القرآن، وخصوصاً العلماء الذين هم ورثة الأنبياء الذين جعلهم الله بمنزلة النجوم يهتدى بهم في ظلمات البر والبحر، وقد أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، إذ كل أمة قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم علماؤها شرارها إلا المسلمين، فإن علماءهم خيارهم، فإنهم خلفاء الرسول في أمته، والمحيون لما مات من سنته، بهم قام الكتاب، وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب، وبه نطقوا. وليعلم أنه ليس أحد من الأئمة المقبولين عند الأمة قبولاً عاماً يتعمد مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من سننه دقيق ولا جليل، فإنهم متفقون اتفاقاً يقينياً على وجوب اتباع الرسول، وعلى أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله، ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا وجد لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه فلابد له من عذر في تركه، وجميع الأعذار ثلاثة أصناف: (أحدها) عدم اعتقاده أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله. (والثاني) عدم اعتقاده إرادة تلك المسألة بذلك القول. (الثالث) اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ)).
وهكذا نرى ذلك العالم الجليل يقدر في غيره العلم، وإن كان مخالفاً له، فهو لا يلعن المخالف، ولا يكذبه، ولا يرميه بالبهتان، ولكنه يعتذر له، ويقدره في خلافه ووفاقه؛ وذلك شأن العالم المتسع الأفق، ولكنه يضيق ذرعاً بالهدامين الذين يكيدون للمسلمين بنحل يبتدعونها، ويظهرون بها غير ما يبطنون، ولا يبطنون إلا كفراً؛ والآن نفصل بعض قوله، ونبتدئ بالتفسير:
219