219

Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

في مناظراته في العقيدة الواسطية(١): ((قد أمهلت من خالفني في شيء ثلاث سنين، فإن جاء بحرف واحد عن القرون الثلاثة يخالف ما ذكرته فأنا أرجع عن ذلك، وعلى أن آتي بنقول جميع الطوائف عن القرون الثلاثة يوافق ما ذكرته))(٢).

والقرون الثلاثة التي يذكرها الطبقات الثلاث بعد النبي صلى الله عليه وسلم طبقة الصحابة ثم التابعين، ثم تابعيهم، ويظهر أن هذه المناظرة للإمام، لأنا لا نعرف أنه كان يقلد تابعي التابعين بإطلاق، أو أراد أن يقرر أن تلك البدع لم تجئ إلا بعد تلك القرون، وهي الكلام في المشتبهات وما يتصل بها.

٢٣٣- هذا هو العنصر الثالث من منهاج ابن تيمية في دراساته، أما الرابع فهو أنه لم يكن متعصباً في تفكيره، فلم يسيطر عليه فكر معين يتعصب له، ويحمد عليه، بل كان حر التفكير، خلع نفسه من كل ما يقيده إلا الكتاب والسنة وآثار السلف الصالح، كان في نشأته حنبلياً؛ ولكنه ما إن شب عن الطوق، حتى درس المذاهب الإسلامية كلها، ثم حلق في مصادرها، فتعرف مصدر كل رأي والمنبعث الذي انبعث منه، ثم أدته دراساته إلى أن يخالف المذاهب الأربعة في بعض آرائه، ويقبس من غيرها كبعض آراء الشيعة التي لم يكفرها، وسنبين عند الكلام في رأيه في الطلاق أنه تأثر إلى حد كبير بآراء الإمامية فيها مع شدة ملاحظته للذين جاوروه من حملوا اسم الشيعة، ولو كان التعصب يغلب منزعه لنفر من كل ما جاءوا به.

ولقد وجد أن الفقهاء أجمعوا على أن التحريم بالرضاع يثبت فيه التحريم بالمصاهرة الرضاعية كالمصاهرة القرابية فيثير مناقشة حول هذا، ويحاول أن يجد له أصلاً، فلا يجد إلا القياس على القرابة، فيناقش ذلك القياس مناقشة العارف الخبير.

فهذا الفقيه السلفي ما كان يحمد فكره، أو تقليد أو اتباع، من غير استدلال

(١) نسبته لواسط، لأن أهل واسط كانوا قد سألوه فأجاب بهذه الرسالة.

(٢) راجع العقيدة الواسطية ج ٢ ص ٤٠٩ من مجموع الرسائل.

218