218

Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

يتبعوا آراءهم إن وجدوا من الدين ما يخالفه؛ فيحكى أن أبا حنيفة يقول: "هذا رأيي فمن جاء برأي خير منه قبلته"، ويحكى أن مالكًا كان يقول: "إنما أنا بشر أصيب وأخطئ فاعرضوا قولي على كتاب الله وسنة رسوله"، وأن الشافعي كان يقول: "إذا صح الحديث فاضربوا بقولي عرض الحائط"، ويحكى أن الإمام أحمد كان يقول: "لا تقلدني ولا تقلد مالكًا ولا الشافعي ولا الثوري، وتعلم كما تعلمنا"، وأنه كان يقول: "لا تقلد دينك الرجال فإنه لا يسلم أن يغلطوا" (١).

وهكذا تراه لا يتبع إلا الدليل، ولتطبيق ذلك المنهاج خرج على الناس بآراء لم يألفوها، ولكنه كان يردها إلى أصولها، ويبين لهم أنه لم يأت يبدع من القول فيها؛ بل كان فيها المتبع جد المتبع لا المبتدع.

ولم يفرق في ذلك بين الفروع والعقيدة، بل إن المعقول أنه إن ساغ التقليد في الفروع لا يسوغ بحال من الأحوال التقليد في العقيدة؛ لأنها لب الدين، وأصله.

٢٣٢- هذا هو العنصر الثاني من منهاج ابن تيمية في دراسته، أما العنصر الثالث، فهو يرى أن الشريعة أصلها القرآن وقد فسره محمد صلى الله عليه وسلم، وأن الذين تلقوا ذلك التفسير والتوضيح والتبليغ الصحابة رضوان الله تبارك وتعالى عنهم، فهم الذين تلقوا شرع الله من محمد بن عبد الله، وهم الذين حفظوا مقالته، ورعوها ونقلوها كما سمعوها وفهموها، ثم ألقوها إلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، ولذا كان يرجع فيما يفكر فيه من شرع إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يتبع أحدًا بعد الله ورسوله إلا الصحابة، ويستأنس بأقوال التابعين، ويحتج بها أحيانًا عند المناظرة، وكثيرًا ما يشتد الخلاف بينه وبين علماء عصره في رأي يعده هو ليس من الدين؛ ويعدونه من الدين فيدعوهم إلى التحاكم إلى أهل القرون الثلاثة الأولى؛ كما جاء في الرسالة الواسطية، فقد قال

(١) راجع في هذا الفتاوى: الجزء الثاني ص ٣٨٦ طبعة الكردي.

217