Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه
Publisher
دار الفكر العربي
٢٣٠- وفي الجملة هو لا يهمل العقل، كما لا يثق به ثقة مطلقة؛ بل يريد أن يجعله في إطار الشرع ودائرته، لا يخرج عنه، ولا يتجاوز قدره، فإنه إن تجاوز قدره ضل ضلالا بعيداً، وجهد جهداً شديداً؛ ولم يصل إلى غاية، ولم ينته إلى نهاية ولذلك تحير الفلاسفة الأقدمون، ومن نهجوا نهجهم؛ ولم يصلوا بالعقل المجرد إلى ما وراء المادة؛ فهو يحلل ظواهر الكون، ويكشف عن قوانين المادة ومكامن القوة فيها، فإن اتجه وحده إلى ما وراء المادة فقد تجاوز الشقة الحرام، وتعدى حدوده، بل لابد له فيه من مرشد من النص الديني والنقل عن منزل الشرائع من السماء؛ يبين المقدمات الهادية؛ أو يشير إليها.
وإنه إذا قام الدليل المعجز على بعثة الرسول، فإن ما يجيء به هو الهادي المرشد، وسط غياهب المجهول ما وراء الكون ومادته؛ وعلى ذلك يكون علم الدين في عقائده وفروعه يؤخذ من وحي السماء؛ لأن منزله هو العليم بكل شيء ولا ينفرد ابن الإنسان بإدراكه، لأنه عليم بالأرض وما فيها إذ هي موضع إقامته، ومكان خلافته.
٢٣١- هذا هو العنصر الأول من منهاج ابن تيمية، أما العنصر الثاني؛ فهو أنه لا يتبع الرجال على أسمائهم، فليس لأحد عنده من مقام إلا الدليل من الكتاب أو السنة أو آثار السلف رضي الله عنهم، فما من قول يتلقى تلقياً، ويسوغ فيه الاتباع من غير دليل مهما تكن درجة الإمامة عند قائله، وينعى أشد النعي على الذين يتبعون الأقوال من غير معرفة أدلتها، ووجه الحق فيها، إذا كانوا قادرين على الاستدلال، ووزن الأدلة الشرعية، والمقابلة بين النصوص المختلفة وإنه ليوجب على المقلد لمذهب إذا رأى حديثاً يخالفه أن يعدل عن مذهبه في موضوع الحديث إن كان قادراً على فهمه، وأنه يقرر أن من قلد إماماً في موضع سنة عرفها، ورأى الإمام خالفها هو غير متبع لذلك الإمام فضلا عن عدم اتباعه للنبي صلى الله عليه وسلم، وإنه ليحكي عن الأئمة الأربعة أنهم نهوا تلاميذهم عن أن
216