216

Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

بالدليل والبرهان أيضاً ؛ ويرى أن طالب العقائد من العقل وحده كحاطب ليل ؛ وأن الفلسفة عندما خاضت في الإلهيات ضلت ؛ وعندما اقتصرت على الأرضيات أنصفت وتميزت .

وبهذا يتبين أنه لا يرى العقل مستقيم الإدراك في الوصول منفرداً إلى حقائق الدين ، بل لا بد من النقل ، فهو لا يهمل العقل ، يطلبه ولكن يكون تابعاً لا متبوعاً ، ومحكوماً بالقرآن ومقدماته في الاستدلال، ولا حاكماً على أدلة القرآن ومنهاج القرآن . وبالتالي لا يكون متأولاً للقرآن إن خالفه ، بل عليه أن يتجه إلى القرآن يتفهمه بالفكر؛ وبموازنة القرآن بعضه ببعضه، فتأويل القرآن يكون من القرآن ، لا من أقوال المتفلسفين والمتكلمين وأمثالهم .

ومن أجل هذا لم يرتض المسلك الأول للغزالي رضي الله عنه ، بل عرض بمنهجه هذا في رسائله؛ ويلحقه في بعض نواحيه ، أو بعض أحواله بالفلاسفة ويقول فيه وفيهم في منهاج السنة في بيان كلام الله سبحانه لعباده ، قول من يقول إن كلام الله يفيض على النفوس من المعاني التي تفيض، إما من العقل الفعال عند بعضهم ، وإما من غيرهم ، وهذا قول الصابئة والمتفلسفة الموافقين كابن سينا وأمثاله، ومن دخل مع هؤلاء من متصوفة الفلاسفة ومتكلميهم كأصحاب وحدة الوجود ، وفي كلام صاحب الكتب المضنون بها على غير أهلها ورسالة مشكاة الأنوار وأمثاله ، ما قد يشار به إلى هذا، وهو في غير ذلك من كتبه يقول ضد هذا ، ولكن كلامه يوافق هؤلاء تارة، وتارة يخالفه، وآخر أمره استقر على مخالفتهم ومطابقة الأحاديث النبوية .

وترى من هذا الكلام أنه يلوم الذين يجعلون العقل حاكماً على النصوص، ويعرض بالغزالي؛ لأنه في بعض أدواره الفكرية نهج ذلك المنهاج، ولأنه هو صاحب الكتب المضنون بها على غير أهلها ومشكاة الأنوار، إذ له هذه الرسالة، والمضنون به على غير أهله الصغير والكبير.

215