215

Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

« بينا أن دلالة الكتاب والسنة على أصول الدين ليست بمجرد الخبر، كما تظنه طائفة من الغالطين من أهل الكلام والحديث والفقهاء والصوفية وغيرهم، بل الكتاب والسنة دلا الخلق وهدياهم إلى البراهين والأدلة المبينة لأصول الدين، وهؤلاء الغالطون أعرضوا عما في القرآن من الدلائل العقلية، والبراهين اليقينية (١) ».

ويقول في سبب ضلال الفلاسفة « يقدمون في كتبهم الكلام في النظر والدليل والعلم، ويذكرون أن النظر يوجب العلم، وأن النظر واجب، ويتكلمون في جنس النظر، وجنس الدليل، وجنس العلم، بكلام قد اختلط فيه الحق بالباطل، ثم إذا صاروا إلى ما هو الأصل والدليل للدين استدلوا بحدوث الأعراض على حدوث الأجسام، وهو دليل مبتدع في الشرع، وباطل في العقل ».

وينعى على المتكلمين أنهم وإن اتخذوا القرآن إماماً في العقائد قد سلكوا في إثباتها طريقا غير طريق القرآن، وحسبوا أن ما في القرآن خبر، ولم يبينوا ما فيه من دليل، ولم يبينوا أدلتهم في العقائد على مقدماته هو، ويشتد في نقد الفلاسفة، ويرفق رفقاً نسبياً بالمتكلمين، ويقول في ذلك:

« والمتفلسفة يقولون القرآن جاء بالطرق الخطابية والمقدمات الإقناعية التي تقنع الجمهور، ويقولون إن المتكلمين جاءوا بالطرق الجدلية، ويدعون أنهم هم أهل البرهان اليقيني، وهم أبعد عن البرهان في الإلهيات من المتكلمين، والمتكلمون أعلم بالعمليات البرهانية في الإلهيات والكليات، ولكن المتفلسفة في الطبيعيات خوض وتفصيل تميزوا به بخلاف الإلهيات، فإنهم من أجهل الناس بها، وأبعدهم عن معرفة الحق فيها، وكلام أرسطو معلمهم فيها قليل، كثير الخطأ، فهو لحم جمل غث على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقي، ولا سمين فيقلى ».

٢٢٩- وترى من هذا أنه لا يرى المعتمد في الدين كله، عقائده وفروعه إلا على الكتاب والسنة، ولا يرى في الكتاب علم العقائد بالخبر والنقل فقط، بل

(١) رسالة معراج الوصول في مجموعة الرسائل الكبرى ص ١٨٣.

214