208

Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

عليك سبب إنشائها، فقد ذكر المقريزي: ((إن الناصر ركب كعادته للصيد، وبينما هو في الطريق إذ انتابه ألم شديد كاد يقضي عليه، فنزل عن فرسه، ولكن الألم تزايد عليه، فنذر إن عافاه الله أن يبني في هذا الموضع مكاناً يتعبد فيه الناس، ولما عاد إلى قلعة الجبل، وقد شفاه الله من مرضه سار بنفسه إلى الموضع الذي انتابه فيه المرض، وصحبه جماعة من المهندسين، واختط هذه الخانقاة في سنة ٨٢٣ هـ وجعل فيها مائة خلوة لمائة صوفي وبنى بجانبها مسجداً تقام فيه الجمعة؛ وینی بها حماماً ومطبخاً.

٢٢٢- وإذا كان هذا صفيح السلطان الناصر الذي وضع فيه ابن تيمية ثقته كلها، فلابد أن تعرف كيف كان سلطان الصوفية في مصر والشام.

ولقد اضطر ابن تيمية لمنازلتهم كما نازل غيرهم من اعتبرهم على خطأ، أو ضلال واشتدت المنازلة بينهم وبينه عندما ثار على شعبذتهم في الشام، وأخذ يفضحها، ويكشف حالهم واتصال بعضهم بالتتار، كما ذكرنا لك في سيرته، ثم بينا كيف أخذ يحارب فكرة وحدة الوجود التي نادى بها ابن عربي، وفكرة الاتحاد والفناء في ذات الله التي كان ينادي بها ابن عطاء الله السكندري، الذي عاصره وكان يلقي دروسه بالأزهر.

ولقد ثارت عليه الصوفية بمصر، وهموا بالاعتداء عليه؛ ولكن حاطه أنصاره وكفوا عنه الأذى، وكادت تكون فتنة لم يمنعها إلا ابن تيمية المخلص الأمين.

هذا وإن الحوادث يفسر بعضها بعضاً؛ فإذا علمنا أن الصلة استمرت وثيقة بين الناصر، وابن تيمية إلى أن فارق ابن تيمية مصر؛ واستقر به المقام نهائياً بالشام وأنه لم يفكر في التضييق عليه إلا في آخر حياته.

وكان ابتداء المحنة سنة ٧٢٦، وأن بناء الخانقاة ثم سنة ٨٢٥ - علمنا أن الصوفية هم الذين سيطروا إبان ذلك على الناصر، حتى غيروه على صديقه ابن تيمية، فأجاز اعتقاله بالقلعة: وخصوصاً أن آخر ما أخذ عليه رضي الله عنه

207