Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه
Publisher
دار الفكر العربي
وإنهم لاعتقادهم بالجبر يفوضون في الأمور الغيبية تفويضاً مطلقاً، ويرضون بكل ما يكون من الله لهم؛ لأنهم وما يملكون وما يفعلون من صنع العلام القدير. ولذا يقول أحدهم: ((ولو كان رضا الله في أن يدخلني النار كنت راضياً)).
ولقد جمعوا جمعاً غريباً بين الجبر والتوكل، وحمل أنفسهم على الرياضة الروحية، ليقربوا من ربهم، ويرضى عنهم؛ ولذا كانوا يرضون دائماً بما قسم لهم فهم لا يرضون عن أنفسهم، ويتهمونها دائماً؛ ويجعلون ذلك إحدى مراتب الرياضة والتصوف، ولذا يقول ابن عطاء الله السكندري في حكمه: ((لأن تصحب جاهلاً لا يرضى عن نفسه خير لك من أن تصحب عالماً يرضى عن نفسه!! فأي علم لعالم يرضى عن نفسه، وأي جهل لجاهل لا يرضى عن نفسه!!)).
٢١٧- ولقد كان عدم إيمانهم المطلق بارتباط الأسباب العادية بمسبياتها أحد البواعث التي جعلتهم يؤمنون بكرامات الأولياء، وهي الأمور الخارقة للعادة التي تجري على الشيوخ الذين علت درجاتهم، وصاروا من أولياء الله، فإن تلك الكرامات في حقيقة معناها ليست إلا قطعاً للمسببات عن أسبابها الظاهرة.
قالوا إذ يحب الله تعالى ويفنى في ذات الله ينكشف عنه الحجاب، ويزول الغطاء، وتنقطع الأفعال عن الأسباب، وتكون الكرامات الجارفة للعادات التي عليها الناس؛ لأن الولي بفنائه قد خرج عن مألوف الناس؛ بل إن جريان الكرامات على أيدي الأولياء أقل من سببها، وهو قمع النفس عن هواها والاتجاه إلى الله العلي القدير، ولذلك جاء في رسالة القشيري ((أنه قيل لأبي محمد ابن عبد الله بن محمد بن المرتعش إن فلاناً يمشي على الهواء فقال عندي إن مكنه الله تعالى من مخالفة هواه فهو أعظم من المشي في الهواء)).
٢١٨- وإن حال الفناء التي راموها ورغبوا فيها واتجهوا إليها، وجعلوها غاية الغايات كما جعلتهم ينسون الأسباب عند وقوع الأمور، جعلتهم ينظرون إلى المعصية غير النظر الذي ينظر إليها الناس؛ فبعض المعاصي عندهم إذا منعت الغرور كانت خيراً من الطاعة إذا أوجدت الغرور؛ حتى إن ابن عطاء الله السكندرى
203