202

Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

اتصال بالله أو اتحاد المخلوق بخالقه بسبب محبته إياه، وخلوصه له سبحانه وتعالى(١).

وقد نحا ذلك المنحى ابن الفارض فهو في محبته يتجه نحو محبة الله سبحانه، وأنه بهذه المحبة يتصل به تعالى ويعلو إليه؛ وأنه عندما يصل إلى درجة الاتحاد بالذات العلية يكون في غيبوبة يسميها أولئك المحو، أي فناء ذاته الفانية في ذات الله الباقية، أو يسميها السكر لأنه يغيب فيها عن الحس؛ ويسمي الصوفية هذه الحال بوحدة الشهود، وهي مقابل ما قاله غيرهم من وحدة الوجود، ويقول ابن الفارض في وصف هذه الحال:

جعلت في تجليها الوجود لناظرى وفي كل مرئى أراها برؤيتى

وأشهد عينى إذ بدت فوجدتنى هنالك إياها بحلوة خلوتى

وطاح وجودى في شهودى وغبت عن وجود شهودى ماحياً غير مثبت

وعانقت ما شاهدت في محو شاهدى بمهده للصحو من بعد سكرتى

ففي المحو بعد الصحو لم أك غيرها وذاتي بذاتى إذ تجلت تجلت

٢١٥- وقد قلنا إن الإشراق النفسي الذي يفيض في القلب بالنور، والذي يكون نتيجة للتربية النفسية والرياضة هو صفة عامة من صفات الصوفية يشتركون فيها بلا تفرقة بينهم؛ ولقد لزم هذه الصفة أمران:

(أحدهما) ملازمة المريد لشيخ يتبعه يروضه ويوجهه؛ ويشرف على نفسه وقلبه، ويكون منه غذاء روحه بالغدوات والروحات، فإنهم يعتبرون تلك الملازمة مع المشاركة الوجدانية أقوى رائض؛ وأنه يكون بين الشيخ والمريد شبه استهواء روحي يوجه نفسه؛ ويقمع حسه، فيعكف على القلب يوجهه، وعلى النفس يهذبها ويهديها، وإذا استقامت النفس، أشرقت الحكمة على القلب، وقذف الله فيه بنور يضيء بين يديه السبيل في مدلهم الخطوب.

(١) تاريخ بغداد ج ٨ ص ١٢٩.

201