199

Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

وقد كان بجوار ذلك المنزع منزع آخر هو ما يسمى بوحدة الوجود، وهي فكرة هندية، لا زال أثرها واضحاً في الآداب الهندية، قوامها أن كل شيء في الوجود متصل بوحدة ثابتة جامعة. وأنه مهما تتباين الأشكال والأوصاف والمظاهر، فالكل واحد؛ وما الحيوان والجماد والنبات، إلا مظاهر لشيء واحد يتلاقى في الحقيقة، ويختلف في الجوهر، وإن اختلف في الشكل والمظهر.

٢١٢- اختلطت تلك المنازع كلها، من مغالاة في الزهد إلى استعارة لنظرية الإشراق من الفلسفة اليونانية، إلى فتح الباب لأفكار الحلول؛ ثم وحدة الوجود ثم كان من اختلاطها ذلك التصوف الذي ظهر في الإسلام واشتد في القرن الرابع والخامس. ثم بلغ أقصى مداه في القرن السابع والثامن حيث عاش ابن تيمية.

ولقد كان مزيجاً من هذه الأمور مختلفة المقادير، فمنهم من غلبت عليه فكرة الإشراق، ولم يزد عليها، ومنهم من كان الحلول أظهر مظاهره، ومنهم من نادى بوحدة الوجود؛ ومنهم من اقتصر على الإذعان للأولياء الذين نحلهم من صفات المعرفة والكشف ما لم يصل إليه النبيون، وإن كانوا فوق سائر الناس.

وهناك معين آخر أخذت منه فيما أحسب النزعات الصوفية؛ وهو كون النصوص والأحكام لها ظاهر وباطن، فإن التصوف قد استعاره من الباطنية، فإن الباطنية كانوا يقولون إن لكل نص تأويلاً، ولكل تأويل باطناً، ولم يؤت علم التأويل وباطن الشريعة إلا الأئمة.

ويظهر أن المتصوفة قد استعاروا ذلك التفكير من الباطنية؛ كما استعاروا من غيرها، ولذلك يقولون في الطهارة: ((أعلم أن الطهارة في طريقنا؛ طهارة غير معقولة المعنى، وهي الطهارة من الحدث، والحدث وصف نفسي للعبد، فكيف يمكن أن يتطهر الشيء من حقيقته، فإنه لو تطهر من حقيقته انتفت عينه؛ وإذا انتفت عينه فمن يكون مكلفاً العبادة؛ وما ثم إلا الله، فلهذا قلنا إن الطهارة من الحدث غير معقولة المعنى، فصورة الطهارة من الحدث عندنا أن يكون الحق سمعك

198