Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه
Publisher
دار الفكر العربي
نزر ضلال وخسر، فهون أيها الأخ المشفق على نفسك، لا يضيق به صدرك. فقل من غربك واصبر على ما يقولون، واهجرهم هجراً جميلاً. واستحقر من لا يحسد ولا يقذف، واستصغر من بالكفر أو الضلال لا يعرف، فأي داع أكمل وأعقل من سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، وقد قالوا إنه مجنون من المجانين، وأي كلام أجل وأصدق من كلام رب العالمين، وقد قالوا إنه أساطير الأولين... خاطب نفسك وصاحبك، وطالبه بحد الكفر، فإن زعم أن حد الكفر ما يخالف مذهب الأشعري، أو مذهب المعتزلي، أو مذهب الحنبلي، أو غيرهم، فاعلم أنه غر بليد، قد قيده التقليد، فهو أعمى من العميان، فلا تضيع بإصلاحه الزمان، وناهيك حجة في إخماد مقابلة دعواه بدعوى خصومه؛ إذ بين سائر المذاهب خلاف الأشعري، من يزعم أن مخالفته من كل ورد وصدر من الكفر الجلي، فاسأله من أين ثبت له أن يكون الحق وقفاً عليه، حتى قضى بكفر الباقلاني، إذ خالفه في صفة البقاء لله تعالى، وزعم أنه ليس هو وصفاً لله زائداً على الذات، والم صار الباقلاني أولى بالكفر بمخالفة الأشعري منه بمخالفته الباقلاني، ولم صار الحق وقفاً على أحدهما دون الثاني، أكان ذلك لأجل السبق في الزمان، فقد سبق الأشعري غيره من المعتزلة، فليكن الحق للسابق عليه، أم لأجل التفاوت في الفضل والعلم، فبأي ميزان ومكيال قدرت درجات الفضل، حتى لاح له أنه لا أفضل في الوجود من متبوعه ومقلده، فإن رخص الباقلاني في مخالفته. فلم حجر على غيره.. وما مدرك التخصيص بهذه الرخصة، فإن زعم أن خلاف الباقلاني يرجع إلى لفظ لا لتحقيق وراءه، كما تعسف بتكلفه بعض المتعصبين زاعماً أنهما جميعاً متوافقان على دوام الوجود، والخلاف في أن ذلك يرجع إلى الذات أو إلى وصف زائد عليه خلاف قريب لا يوجب التشديد، فما باله يشدد القول على المعتزل في نفيه الصفات، وهو معترف بأن الله عالم محيط بجميع المخلوقات. قادر على جميع الممكنات، وإنما يخالف الأشعري في أنه عالم قادر بالذات أو بصفة زائدة، فما الفرق بين الخلافين... الخ)).
194