194

Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

فتكلم في الجوهر والعرض، وأن العرض لا يقوم بالعرض، وأن العرض لا يبقى زمانين إلى آخر ما هنالك، ولم يقتصر في الدعوة لمذهب الأشعري على ما وصل إليه من نتائج، بل ذكر أنه لا يجوز الأخذ بغير ما أشار إليه من مقدمات لإثبات تلك النتائج؛ فكان ذلك مغالاة وشططاً في التأييد والنصرة؛ فإن المقدمات العقلية لم يجئ بها كتاب أو سنة، وميادين العقل متسعة، وأبوابه مفتحة، وطرائقه مسلوكة، وعسى أن يصل الناس إلى دلائل وبينات من قضايا العقول ونتائج الأفهام لم يصل إليها الأشعري. وليس من شر في الأخذ بها ما دامت لم تخالف ما وصل إليه من نتائج، وما اهتدى إليه من ثمرات فكرية.

٢٠٧- ولذلك جاء الغزالي من بعده، فلم يسلك مسلك الباقلاني، ولم يدع لمثل ما دعا إليه، بل اعتقد أنه لا يلزم من مخالفة مسلك الباقلاني والأشعري في الاستدلال بطلان المدلول والنتيجة، وآمن بأن الدين خاطب العقول جميعاً وعلى الناس أن يؤمنوا بما جاء بالكتاب والسنة، ولهم أن يقروه، بما يشاءون من أدلة.

والحق أن الغزالي نظر في كلام أبي منصور الماتريدي، وأبي الحسن الأشعري نظرة حرة بصيرة فاحصة لا نظرة تابع مقلد، فوافقهما في أكثر ما وصلا إليه، وخالفهما في بعض ما ارتآه ديناً واجب الاتباع، ولذا رماه كثيرون من أنصارهما بالكفر والزندقة، واقرأ ما قاله في رسالته فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة، فقد جاء فيها:

((إني رأيتك أيها الأخ المشفق والصديق موغر الصدر منقسم الفكر لما قرع سمعك من طعن طائفة من الحسدة على بعض كتبنا المصنفة في أسرار معاملات الدين، وزعمهم أن بينها ما يخالف مذهب الأصحاب المتقدمين والمشايخ المتكلمين، وأن العدول عن مذهب الأشعري، ولو في قيد شعرة كفر، ومباينته ولو في شيء

(١) الغزالي توفي سنة ٥٠٥

193