192

Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

بينهما وقال؛ القرآن كلام الله قديم غير مغير، ولا مخلوق ولا حادث ولا مبتدع. فأما الحروف المقطعة والأجسام، والألوان، والأصوات المحدودات فمخلوقات مخترعات. وقالت المعتزلة: إن صاحب الكبيرة مع إيمانه وطاعته لا يخرج من النار قط. وقالت المرجئة: من أخلص لله سبحانه وتعالى وآمن به فلا تضره كبيرة مهما تكن. فسلك الأشعري طريقاً بينهما وقال: المؤمن الموحد الفاسق هو في مشيئة الله تعالى إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة، وإن شاء عاقبه بفسقه، ثم أدخله الجنة. وقالت الرافضة: إن الرسول صلوات الله وسلامه عليه ولعلي رضي الله عنه شفاعة من غير إذن الله ولا أمره. وقال المعتزلة: لا شفاعة بحال من الأحوال. فسلك الأشعري طريقاً وسطاً وقال: إن الرسول صلوات الله وسلامه عليه شفاعة مقبولة من المؤمنين المستحقين للعقوبة يشفع لهم بأمر الله وإذنه ولا يشفع إلا لمن ارتضى.

وهكذا تراه سلك في مذهبه مسلك الاعتدال والوسط، وفي الوسط الحق والقسطاس المستقيم في كثير من الأوقات.

٢٠٥- وقد سلك الأشعري في الاستدلال على العقائد مسلك النقل، ومسلك العقل، فهو يثبت ما جاء به القرآن الكريم والحديث الشريف من أوصاف الله ورسله واليوم الآخر، والملائكة والحساب والعقاب والثواب، ويتجه إلى الأدلة العقلية، والبراهين المنطقية يستدل بها على صفات الله سبحانه وتعالى، وقد استعان في ذلك بقضايا فلسفية ومسائل عقلية خاض فيها الفلاسفة وسلكها المناطقة. والسبب في ذلك هو:

١- أنه تخرج على المعتزلة وتربى على موائدهم الفكرية، فنال من مشربهم وأخذ من منهلهم، واختار طريقتهم في إثبات العقائد، وإن خالفهم في النتائج. وباعد بينه وبين ما وصلوا، وقد علمت أن المعتزلة سلكوا في استدلالاتهم مسلك المنطق والفلسفة.

191