Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه
Publisher
دار الفكر العربي
٣- أنه يرى أن أحاديث الآحاد يُحتج بها في العقائد وهي دليل لإثباتها وقد أعلن اعتقاد أشياء ثبتت بأحاديث الآحاد.
٤- أنه في آرائه كان يجانب أهل الأهواء جميعاً والمعتزلة ويجتهد في ألا يقع فيما وقع كثير من المنحرفين.
٢٠٤- وفي الحق أن كثيراً من آرائه كانت وسطاً بين المغالين وطريقاً مستقيماً بين الآراء المتجاذبة الأطراف وأن الدارس لحياة ذلك المفكر العظيم لا يجد من الصعب عليه أن يختار طريقاً وسطاً، لعلمه الغزير واطلاعه الواسع، وكتابه «مقالات الإسلاميين» يدل على اطلاع كبير وفهم دقيق للفرق الإسلامية على اختلاف منازعهم، وتباين مذاهبهم، وتباعد مسالكهم؛ ولا يصعب على المتقصي أن يثبت ذلك الاعتدال في كل فكرة من أفكاره، وعقيدة من عقائده. فرأيه في الصفات وسط بين المعتزلة والجهمية الذين نفوا الحياة والسمع والبصر والحشوية والمجسمة الذين شبهوا الله تنزهت صفاته بالحوادث، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً. ورأيه في القدرة وأفعال الإنسان وسط بين الجهمية والمعتزلة، فالمعتزلة قالوا: هو قادر على الأحداث والكسب معاً، والجهمية قالوا: الإنسان لا يقدر على أحداث شيء، ولا كسب شيء، فقال الأشعري: العبد لا يقدر على الأحداث، ويقدر على الكسب(١). وقالت المشبهة: إن الله يُرى يوم القيامة مكيفاً محدوداً. وقالت المعتزلة والجهمية: إنه سبحانه لا يُرى بحال من الأحوال فسلك الأشعري طريقاً بينهما. فقال: يُرى من غير حول ولا حدود، وقالت المعتزلة: لله يد قدرة ونعمة، وقالت الحشوية: يد جارحة. فسلك الأشعري طريقاً وسطاً، يده يد صفة كالسمع والبصر. وقالت المعتزلة: القرآن كلام الله مخلوق مبتدع، وقالت الحشوية: الحروف المقطعة والأجسام التي يُكتب عليها، والألوان التي يُكتب بها وما بين الدفتين كلها قديمة(٢). فسلك الأشعري طريقا
(١) تبيين كذب المفتري لأبي الحسن الأشعري (٢) تبيين كذب المفتري ص ١٥٠
190