187

Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

ولا عن السلف المتقدمين، خالفوا رواية الصحابة عن نبي الله صلى الله عليه وسلم في رؤية الله بالأبصار، وقد جاءت في ذلك الروايات من الجهات المختلفات، وتواترت الآثار، وتتابعت به الأخبار، وأنكروا شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وردوا الرواية في ذلك عن السلف المتقدمين، جحدوا عذاب القبر، وأن الكفار في قبورهم يعذبون، وقد أجمع على ذلك الصحابة والتابعون، ودانوا بخلق القرآن نظيراً لقول إخوانهم من المشركين الذين قالوا: إن هذا إلا قول البشر، فزعموا أن القرآن كقول البشر، وأثبتوا وأيقنوا أن العباد يخلقون الشر نظيراً لقول المجوس الذين يثبتون خالقين أحدهما يخلق الخير، والآخر يخلق الشر، وزعموا أن الله عز وجل يشاء ما لا يكون، ويكون ما لا يشاء، خلافاً لما أجمع عليه المسلمون من أن ما شاء الله كان، وما لا يشاء لا يكون، ورداً لقول الله ((وما تشاءون إلا أن يشاء الله))، فأخبرنا أن لا نشاء شيئاً، إلا وقد شاء أن نشاءه، ولقوله ((ولو شاء الله ما اقتتلوا))، ولقوله ((ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها))، ولقوله تعالى ((فعال لما يريد))، ولقوله مخبراً عن شعيب أنه قال ((وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا))، ولهذا سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مجوس هذه الأمة، لأنهم دانوا ديانة المجوس، وضاهوا أقوالهم، وزعموا أن للخير والشر خالقين كما زعمت المجوس؛ وأن يكون من الشر ما لا يشاء الله، كما قالت المجوس ذلك، وزعموا أنهم يملكون من الضر والنفع لأنفسهم رداً لقول الله تعالى ((قل لا أملك لنفسي ضراً ولا نفعاً إلا ما شاء الله)) وانحرافاً عن القرآن، وعما أجمع عليه المسلمون، وزعموا أنهم ينفردون بالقدرة على أعمالهم دون ربهم. وأثبتوا لأنفسهم غنى عن الله عز وجل، ووصفوا أنفسهم بالقدرة على ما لم يصفوا الله بالقدرة عليه، كما أثبت المجوس للشيطان من القدرة على الشر ما لم يثبتوه لله عز وجل فكانوا مجوس هذه الأمة. إذ دانوا بديانة المجوس؛ وتمسكوا بأقوالهم، ومالوا على أضاليلهم وقنطوا الناس من رحمة الله وأيسوهم من روحه، وحكموا على العصاة بالنار والخلود خلافا

186