177

Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

إلا كتاب الله وسنة رسوله، أما بعد عهدهم وانقراض أكثرهم واختلاط المسلمين بغيرهم من أصحاب الديانات القديمة، فقد كثر القول في هذه النواحي، وتعمقوا في دراستها تعمقاً عقلياً غير معتمد على نقل، ولذلك اختلفوا.

ففريق من المسلمين قالوا إن الإنسان لا يخلق أفعاله وليس له ما ينسب إليه من الأفعال شيء، فنفوا بهذا الفعل عن العبد وأضافوه إلى الرب، وقرروا أن العبد لا يستطيع شيئاً، وهو مجبر في أفعاله، لا إرادة له ولا اختيار، وإنما يخلق الله تعالى الأفعال، كما تخلق في النبات والجماد، وتنسب إليه، كما تنسب إلى النبات والجماد أيضاً؛ كما يقال أثمرت الشجرة، أو جرى الماء وتحرك الحجر، وطلعت الشمس وغربت، وتغيمت السماء وأمطرت وازدهرت الأرض ... إلى غير ذلك، والثواب والعقاب جبر، وإذا أثبت الجبر فالتكليف جبر(١).

١٩٠- وقد خاض المؤرخون في بيان أول من تكلم بهذه النحلة، ومن الثابت قطعاً أن الكلام في الجبر شاع في أول العصر الأموي، وكثر حتى صار مذهباً آخر، ولقد سجل كتاب المنية والأمل رسالتين إحداهما لابن عباس، والأخرى الحسن البصري(٢)، وما كانت الرسالتان إلا إرشاداً للناس بإثبات الاختيار، وقد شاع ذلك القول، وقد كانت الرسالة الأولى لأهل الشام، والثانية لأهل البصرة؛ وعلى ذلك يصح أن نقول إن القول في ذلك قد شاع في هذين الإقليمين الكبيرين الشام والعراق.

ولقد صار ذلك القول من بعد ذلك نحلة القوم يدعون إليها؛ ولقد قيل إن أول من دعا إلى هذه الفكرة بعض اليهود، وقيل إن أول من قام بالدعوة إليه الجعد ابن درهم الذي كان أول من خاض في مسألة خلق القرآن، وقد تلقى ذلك عن يهودي بالشام، ونشره بين الناس بالبصرة؛ ثم تلقاه عنه الجهم بن صفوان، وقد دأب على نشره، ولذلك نسبت الفرقة إليه فقيل عنها الجهمية.

(١) الملل والنحل الشهرستاني عند الكلام في الجهمية.

(٢) الرسالتان في كتاب المنية والأمل وقد نقلهما المؤلف في كتابه تاريخ الجدل.

176