175

Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

كلها، فأخذت عن السبئية المنقرضة ألوهية علي وخلوده ورجعته؛ ومن الإسماعيلية كون الشريعة لها ظاهر وباطن.

وإن هذه النصيرية هي التي كان يحاربها ابن تيمية، وحملها على الخضوع، ولم يعتبرها من المسلمين، وهي حقا ليست منهم في شيء.

١٨٧- كان أولئك الغلاة الذين خلعوا القيود الإسلامية؛ واطرحوا معاني الإسلام؛ ولم يبقوا لأنفسهم منه إلا الاسم؛ حربا على الإسلام. فكثيراً ما كانت الباطنية المغالية تثير الحرب الشديدة على الدولة الإسلامية، وتغري بين المسلمين العداوة والبغضاء، فكثرت ثوراتهم في بغداد، وكثرت فتنتهم في بلاد فارس وخراسان وقزوين.

ولما اتسع عملهم وقامت الدولة الفاطمية بمصر، واستولت على الشام؛ وجدوا أنهم في ظلها يستطيعون أن ينشروا آراءهم، وإن كان أكثر خلفائهم ليسوا مثلهم؛ ولكنهم على أي حال وجدوا في الحاكم بأمر الله من يتلاقى معهم في أهوائهم؛ ولذلك كان ظهور زعيمهم في فارس قرب قزوين في عهد الحاكم بأمر الله، واسمه الحسن بن صباح، وقد أخذ يثير الفتن في داخل الدولة العباسية في الوقت الذي كان يدعي الحاكم الألوهية.

وقد كثر من بعد ذلك أولئك الغلاة في الشام، واتخذوا لهم مقراً جبل السمان الذي يسمى الآن جبل النصيرية، وقد كان بعض كبرائهم يستهوون مريديهم بالتخدير بالحشيش، ولذلك سموا في التاريخ الحشاشين، وعند الهجوم الصليبي على البلاد الشامية مالئوا الصليبيين ضد المسلمين؛ ولذلك لما استولى هؤلاء على كثير من البلاد الشامية قربوهم، وأدنوهم وجعلوا لهم مكانا مرموقاً.

ولما جاء محمود زنكي، وصلاح الدين من بعده، ثم الأيوبيون، اختفوا عن الأعين واعتصموا، واقتصر عملهم على تدبير المكايد، والفتك بكبراء المسلمين، وقوادهم العظام إن أمكنتهم الفرصة وواتاهم الزمان.

174