173

Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

ليس عند غيرهم، وأن عندهم علماً بالشريعة قد أوتوه فوق مدارك الناس؛ وهم بهذا يدركون من الشريعة ما لا يدرك غيرهم.

وثانيها- أن الإمام لا يلزم أن يكون ظاهراً معروفاً، بل يصح أن يكون خفياً عن الناس مستوراً، ومع ذلك تجب طاعته؛ وأنه هو المهدي الذي يهدي الناس؛ وأنه إن لم يظهر في جيل أو أجيال، فإنه لا بد ظاهر، وأنه لن تقوم القيامة حتى يظهر ويملأ الأرض عدلاً، كما ملئت جوراً وظلماً.

وثالثها- أن للشريعة ظاهراً وباطناً؛ كما بينا، وأن الباطن الحقيقي الذي هو ليها ومعناها لا يعرفه على وجهه إلا الإمام الذي أفاض الله عليه بنور المعرفة؛ وأشرق عليه نورها؛ فانكشفت له حقيقتها، وأنه لهذا ليس مسؤولاً أمام أحد من الناس، وليس لأحد من الناس أن يخطئه مهما يأت من أفعال، بل يجب عليهم أن يصدقوا أن كل ما يفعله خير لا شر فيه؛ لأنه عنده من العلم ما لا قبل لأحد بمعرفته، ومن هذا قرروا أن الأئمة معصومون، لا بمعنى أنهم لا يرتكبون الخطايا التي نعلمها، بل على معنى أن ما نسميه خطايا بالنسبة لنا قد يكون عندهم من العلم ما ينير السبيل لهم فيه، ويكون به سائغاً لهم، وليس بسائغ لسائر الناس.

١٨٥- قد يكون التفكير على ذلك النحو ليس كفراً قاطعاً؛ بل أقصى ما فيه أن نقول إنه لم يرد في كتاب ولا سنة صحيحة؛ ولكن في ظل ذلك التفكير الذي لم يخرج عن نطاقه المعتدلون منهم؛ وجد فيهم غلاة خلعوا الربقة، وقد كانت السرية التي تعد طريقة هذه الفرقة، وفي ظلها تفرخ آراؤهم، وتدبر سبل السيطرة - سبباً في أن وجد الحاكمية وهم أولئك الغلاة المتطرفون الذين تجاوزوا حدود الإسلام؛ ولقد غالى بعضهم في معنى الإشراق الإلهي، حتى أخذ بنظرية حلول الإله في نفس الإمام؛ وإنه كان على رأس أولئك الغلاة الحاكم بأمر الله الفاطمي الذي ادعى أن الإله قد حل فيه، ودعا إلى عبادته.

وقد اختفى ثم مات أو قتل على حسب اختلاف الرواة، وإن الراجح أنه قتل بيد بعض أقاربه، وقد أنكر مريدوه وأتباع مذهبه الذي ظهر به - موته،

172