164

Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

الشيخ أنها ظالمة، وليس من شئون الدولة ما يضطر إليها، فوعظه بالموعظة الحسنة، حتى إذا رآه يحمل العلماء على الرضا بسيف الترغيب والترهيب أغلظ له في القول، ورماه بأنه يسلب الضعفاء أموالهم باسم الجهاد في حين أنه يؤثر خاصته بالثياب الموشاة بالذهب، والزينة تتحلى بها جواريه.

ورأى ابن دقيق شيخ المحدثين الذي لم يمت إلا بعد أن استوى ابن تيمية على شرخ الشباب، وألقى الدروس واستمع إليه ذلك الشيخ الكبير، وقد كان رضي الله عنه محيطاً بعلم الحديث رواية ودراية عاكفاً على العلم زاهداً في سواه، وله تلك الموسوعة الضخمة في شرح البخاري، وغير هؤلاء الثلاثة كثيرون يستوون في كثرة العلم وغزارته، ويختلفون في قوة الاستنباط والإقدام عليه ونصيحة الملوك أو السكوت عنهم.

١٧٣- وهكذا نرى عصر ابن تيمية كان زاخراً بالعلم والعلماء، كثر فيه العلم المدون كثرة سهلت الطلب والتحصيل والإحاطة، وكثر العلماء المستبحرون وكان فيهم ذوو جرأة وذوو إقدام فتحوا عين الطريق لمن كان دونهم سناً، فجاء ابن تيمية واستبحر في العلوم كلها وحصلها، ثم خصها خص العارف الخبير المحيط بالدقائق، وعميق الأفكار، وانطلق في آرائه حراً جريئاً، ما دام بيده سلاح يفل كل سلاح، وحجة تدحض كل حجة، وهو كتاب الله وسنة رسوله، وفهم ثاقب، وعرض الحقائق المجردة غير متأثر بآراء غيره من أشياخ العلم إلا ما كان منها صواباً قد ارتضاه نظره المستقيم.

وفي علاقته بالملوك سار على منهاج قوي. يطيع في غير معصية، وينصح ويرشد في غير غلظة أو عنف إلا إذا تقاضاه الحق أن يقول في صرامة وقوة، وحث على العمل الصالح ومعاونة عليه، بل اشتراك فعلي في شدائد الأمور.

ولم تكن المناضلة بينه وبين الأمراء، إنما كانت بينه وبين الذين يدافعون عن الأوهام. أو ما اعتبره هو أوهاماً في الدين لا تستند إلى كتاب ولا سنة، ولا أثر من آثار الصحابة رضوان الله تبارك وتعالى عليهم.

163