159

Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

البستي المتوفى سنة ٤٢٠، وترى من هذا أن فارس، وخراسان سبقا البلاد الإسلامية بإنشاء المدارس، ومن ورائهما كثرت المدارس في القرن الخامس والسادس والسابع والثامن، وما والى ذلك.

وقد ابتدأت المدارس بأموال ذوي اليسار كما نوهنا، ثم تولاها الملوك والأمراء، فأنشأ نظام الملك السلجوقي مدارس في بغداد والبصرة والموصل ونيسابور ومرو وهراة، ثم جاء من بعده محمود نور الدين زنكي، فأنشأ مدرسة دمشق للحديث، وحبس عليها أحباساً كثيرة، ثم أنشأ نور الدين غير مدرسة دمشق مدارس في حلب وحمص وغيرها. ثم جاء صلاح الدين، فأكثر من إنشاء المدارس بمصر والشام، ووضع لها نظاماً ثابتاً مقرراً، وكان يحضر بعض الدروس، بل إنه كان يتجه إلى الاستماع إلى الحديث ما اتسع له الوقت في ذلك.

وجاء بعد ذلك المماليك، فساروا على سنة الأيوبيين وحبسوا الأحباس عليها؛ وأظلوها برعايتهم.

١٦٨- في هذا العصر المدرسي عاش ابن تيمية، وفي مهد هذه المدارس نشأ وترعرع؛ فقد كان أبوه على رأس إحدى المدارس بدمشق؛ وكان على مشيخة الحديث بها كما علمت.

وقد تغذى ابن تيمية النافذ البصيرة من هذه المدارس غذاء كاملاً، فقد تهيأ له فيها أن يتلقى الحديث على أكبر شيوخه؛ وأن يتلقى علوم العقل على ذوي المهارة فيها، فدرس المنطق دراسة فاحص ناقد، لا دراسة محصل فقط، يقبل الكلام على علاته، ولا يدرك هناته، ودرس علوم اللغة كلها على شيوخها. حتى ساغ له أن ينقد إمام النحاة في القديم سيبويه أمام كبير النحاة في عصره وهو أبو حيان، ثم استبحر في الفقه راداً له إلى أصوله من الكتاب والسنة وآراء السلف الصالح، والأقية المستقيمة.. وهكذا. وما كان ليتسنى له ذلك الاطلاع الواسع، والاستبحار والتعمق، والتخرج على أكبر الشيوخ بيسر وسهولة إلا بوجود

158