157

Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

الرجال على أسمائهم، وابن تيمية يتبع الدليل في نظره، ولا يهمه القائل، إنما يهمه القول إن استقام مع منهاجه في الاستدلال اتبعه، وإن لم يستقم رده.

وإذا كانت القرون الثلاثة السادس والسابع والثامن قد امتازت بشيء فقد امتازت بكثرة العلم، لا بكثرة الفكر، فقد كانت المعلومات كثيرة جداً، وتحصيلها كان بقدر عظيم، وعكوف الناس عليها كان كبيراً. ولكن التفكير المطلق في مصادرها ومواردها، والمقايسة بين صحيح الآراء وسقيمها مقايسة حرة من التعصب الفكري، والتحيز المذهبي، لم يكن بقدر يتناسب مع تلك الثروة المثرية التي توارثتها الأجيال، فقد كانوا يتلقونها، ويستحفظون عليها، ولكن لا يقدرونها حق قدرها بالنظر الفاحص المجرد أو النظري الذي يعم كل الجوانب، لا ينحاز إلى جانب من الجوانب، وينظر من زاويته دون سواه، فجاء ابن تيمية، وفكر في هذه الثروة ونظر إليها من كل جوانبها.

١٦٦- ومهما يكن من شيء فقد كانت السبل لطلب العلم وتحصيله معبدة سهلة، فقد سهلتها المدارس، والموسوعات العلمية الكبيرة، وخزائن الكتب المتفرقة في الأمصار الإسلامية، وخصوصاً في مصر والشام، ثم الرجال الذين وقفوا أنفسهم على شرح الكتب المتوارثة، وتوضيحها، وردها إلى مصادرها الأولى.

فالمدارس وجدت في القرن الرابع ثم انتشرت في القرن الخامس في الأقطار الإسلامية شرقيها وغربيها ووسطها؛ لقد كان طالب العلم فيها يبذل المجهود في طلب الشيخ، ويركب متن السفر، ويبذل من ماله وحاله في طلب الممتاز من الشيوخ الشيء الكثير، حتى إذا عثر عليه لزمه؛ وكانت المساجد أماكن الدرس لأكابر العلماء، حتى إذا جاء القرن الخامس أخذ الملوك والأمراء ينشئون المدارس إذاعة لنفوذهم، أو خدمة لدينهم، أو نشراً للنور والمعرفة بين شعوبهم، وفي هذه المدارس كانوا يجمعون العلماء، فصار طلب العلم لا ينتقل إلى العلم، فقد انتقل العلم إليه، وصار لا يبحث عن شيخه فقد جاء الشيخ إليه.

156