156

Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

في ظلها ابن تيمية لابد من الإشارة بكلمة موضحة لأربع نواح، وهي الاتجاهات التي كانت في ذلك العصر؛ والتي تكشف عن المناهج الفكرية فيه؛ وهذه النواحي - أولها - أحوال الدراسة العلمية الدينية والتأليف. والثاني الفرق الإسلامية الخالصة التي امتد تاريخها فعاصر أتباعها ابن تيمية؛ والثالث الصوفية والمتصوفة، ويتبعها الطرق، والدراسات الشعبية، وإن دراسة هذه النواحي تكشف لنا عن العناصر التي تغذى منها ذلك العالم الجليل ابن تيمية؛ وتكشف عن البواعث التي كانت سبب نشاطه في هذه النواحي المختلفة، ثم تكشف عن البواعث التي جعلته يستنكر ما استنكر، ويقر ما أقر.

الدراسات العلمية

١٦٥- اتسمت الدراسات العلمية في عهد ابن تيمية بالتحيز الفكري والتعصب المذهبي، فكل رأي في العقيدة له إمام من المتقدمين يتبعه من بعض المتأخرين وينظر إلى آرائه كلها على أنها الحق الذي لا شك فيه، وعلى أن آراء غيره الباطل الذي لا شك فيه، وكل مذهب فقهي له أتباع يتبعونه على أنه صواب، وغيره خطأ؛ وإن تساهلوا، إذ يقولون رأي إمامنا صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب، وهكذا في كل مناحي الفكر.

وقد توارثت الأجيال ذلك التحيز الفكري من القرن الرابع الهجري، حيث اشتد الخلاف والجدل بين الشافعية والحنفية، وظهرت حدة وشدة في الحنابلة، وحيث قام الجدل على قدم وساق بين المعتزلة المهزومة، وبين الأشعرية والماتريدية في عنف ولجب، فانتقل ذلك إلى الأجيال مدوناً في بطون الكتب، وكثيراً ما تجد كتاباً تعد صفحاته بالمجلدات الضخام، وكله قائم على شرح الخلاف، وتسجيل الجدل، وبيان أوجه المتناظرين والتعصب لواحد منها. وقد سرى ذلك إلى المعاصرين لابن تيمية، فكان ذلك محل الخلاف الشديد بينه وبينهم، يتبعون

155