Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه
Publisher
دار الفكر العربي
عن التسبب في صلاح حاله، فقد كان في الدولة الناصرية عناية يتيسر بها الكفاية، مع أن الدولة(١) من الدول الظاهرية، كجدول من البحر المحيط، والخلاصة من الوسيط البسيط، وقد نفع الله بهذه الدولة الظاهرية الناصرية خصوصاً وعموماً وكشف بها عن الناس أجمعين عموماً، ولم بها من شعث الدين ما لم يكن ملموماً، فمن العجائب كون المملوك من مرقد خيراتها وعن يمين عنايتها غائباً محروماً، مع أنه من ألزم المخلصين للدعاء بدوامها، وأقوم الموالين بمراعاة زمامها، لا برحت أنوارها زاهرة، وسيوف أنصارها قاهرة ظاهرة، وآياديها مبذولة موفورة، وأعاديها مخذولة مقهورة بمحمد وآله))(٢).
وإن هذه القصة تدل على أن بعض العلماء أنزلته الحاجة أو الطمع من عزة العلم إلى الذل؛ ولكن إذا كان من العلماء مثل هذا؛ فقد كان فيهم مثل النووي من قبل، ومثل ابن دقيق العيد، وحسب العلم عزة أنه كان في عصر هذا ابن تيمية وتلاميذه الذين أعزوا العلم ورفعوا قدره، فلم يكونوا من يمدون أيديهم بطلب العلماء؛ بل كانوا يمدون ألسنتهم ببيان الحقائق، والهداية إلى الحق، ولوم من يستحق اللوم، ولم يكن للأمراء على ابن تيمية أي فضل، فقد حمل السيف كأشجع قائد؛ وزاد عليهم فضل المعرفة ((وهل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون)).
١٦٢- وتحت سلطان الأمراء والعلماء عامة الناس، فالأمراء لهم سلطان المادة والقوة، والحكومة، والعلماء لهم سلطان الدين، والقوة الروحية المهذية؛ وكان الأمراء حماة الدولة، والعلماء عزاء النفوس وطب القلوب.
ولقد كان أولئك العامة زراعاً وصناعاً؛ وتجاراً في القليل من المال، أما التجار في الكثير فقد ارتفعوا إلى مرتبة الخاصة من الأمراء والوافدية، وكانوا يحاكمون أمام الحجاب لا أمام القضاة كسائر الناس.
وقد كانت هذه الطبقة مكدودة عاملة وخصوصاً الزراع منهم؛ فقد كانت
(١) الدولة: القليل من المال الذي يكفيه. (٢) حسن المحاضرة ج ٢ ص ٦٧
152