150

Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

ولا بد أن مصر التي كانت مثابة كل هذه الأجناس في هذه الأزمان، بدا فيها ذلك الاضطراب الاجتماعي، ولعل ذلك من أسباب الاضطراب السياسي، وطمع كل أمير من المماليك فيما في يد غيره من الملك والسلطان.

١٥٨- ولقد كان الأسرى من الفرنجة، والترك، والتتر لهم شأن في بعض النظم الاجتماعية، فقد كان المماليك أنفسهم من الأسرى أو المجلوبين بالبيع في عصر الأيوبيين ثم آل الملك إليهم، فكان فيهم الوزراء والأمراء والقواد، وأهل السلطان، ولما أسر قطز والظاهر بيبرس ثم الناصر قلاوون من بعدهما طوائف كثيرة جدا من التتار كان لهم شأن خاص، ولم ينغمروا في عامة الناس، ولما دخلوا في الإسلام لم تكن كل تقاليدهم إسلامية، ولقد قال المقريزي في هذا المقال ما نصه: «ولما كثرت وقائع التتار في بلاد المشرق والشمال، وبلاد القفجاق وأسروا كثيراً منهم وباعوهم، وتنقلوا في الأقطار واشترى الصالح نجم الدين أيوب جماعة منهم سماهم البحرية، ومنهم من ملك مصر ... ثم كانت لقطز معهم الموقعه المشهورة على عين جالوت، وهزم التتار، وأسر منهم خلقاً كثيراً، ساروا بمصر والشام، ثم كثرت الوافدية في أيام الملك الظاهر بيبرس، وملئوا مصر والشام، فانتشرت عاداتهم وطرائقهم ... وكانوا إنما ربوا بدار الإسلام وأتقنوا القرآن، وعرفوا أحكام الملة المحمدية، فجمعوا بين الحق والباطل، ووضعوا الجيد إلى الرديء، وفوضوا لقاضي القضاة كل ما يتعلق بالأمور الدينية من الصلاة والصوم والزكاة والحج، وناطوا به أمر الأوقاف والأيتام، وجعلوا إليه النظر في الأقضية الشرعية كتداعي الزوجين، وأرباب الديون، واحتاجوا في ذات أنفسهم إلى الرجوع لعادة جنكيز خان، والاقتداء بحكم السياسة، فذلك نصبوا الحاجب ليقضوا بينهم فيما اختلفوا فيه من عاداتهم، والأخذ على يد قويهم، وإنصاف الضعيف على وفق ما في السياسة، وكذلك كان يحاكم التجار الممتازون من الأهالي على مقتضى قواعد السياسة، وجعلوا للحاجب النظر في قضايا الديون السلطانية

149