Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه
Publisher
دار الفكر العربي
Your recent searches will show up here
Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu
Muḥammad Abū Zahraابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه
Publisher
دار الفكر العربي
وهكذا كانت المصلحة موضع دراسات فقهية، ومقامها من النصوص موضع فحص العلماء، ولقد رأينا ابن تيمية وتلميذه ابن القيم يردون كل المصالح الاجتماعية؛ والآراء الفقهية المبنية على المصلحة والحاجة إلى الأصول الشرعية العامة.
١٥٧- شهد ابن تيمية مجتمعاً يموج ويمرج، كما هو الشأن في الأزمان التي تكثر فيها الحروب، ويختلط فيها أمشاج من الناس وعناصر مختلفة، وأجناس متباينة، فقد وجدنا في الحروب الصليبية الشرق يمتزج بالغرب، وتتلاقى حضارات، وديانات وعادات وأفكار؛ ومهما تكن العلاقة من عداوة ومحاربة، فإن العدوى النفسية، والعدوى الفكرية، والعدوى في العادات تسرى مع اشتجار السيوف، واختلاط الدماء.
وفي حروب التتار قد التقى قوم، اندفعوا من أقصى الشرق في الصين حاملين عاداتهم وأخلاقهم وأهواءهم ومنازعهم بأهل الإسلام الذين اعتدلت أمزجتهم وأفكارهم، واستقامت عقائدهم، وهم خاضعون لنظم مقررة ثابتة استنبطها العلماء من كتاب الله الهادي إلى سواء السبيل، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم المبينة لأقوم منهاج مستقيم، التقى هؤلاء وهؤلاء، فكان من ذلك اللقاء اضطراب في العادات والمنازع. وفوق ذلك أن الحرب الضروس خلطت بين الأمصار الإسلامية نفسها، فوجدنا أهل العراق يفرون إلى الشام عندما يغير التتار عليه، وأهل الموصل وما حولها يفرون إلى دمشق، وأهل دمشق وما حولها ينتقلون إلى مصر، بل إلى بلاد المغرب، وقد رأيت في حياة ابن تيمية، كيف خرج علماء دمشق وولاتها والقادرون فيها عندما ساورها التتار، وكيف بقى ابن تيمية مع الضعفاء من العامة، ومن لا حول لهم.
وإن تلك الخلطة الإجبارية يكون منها خلط فكري ونفسي واجتماعي في العادات، ويتكون منها مجتمع مضطرب، ليس فيه قرار ولا سكون.
148