Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه
Publisher
دار الفكر العربي
١٥٦- وقبل أن نترك الكلام في الحال السياسية في عصر ابن تيمية ونظام الحكم نقرر أمرين:
(أحدهما) أن العامة، لم يكن لهم من الأمر شيء، فليس ثمة من يمثلهم في شورى، وليس لهم أثر إيجابي في نظام الدولة وأحكامها النافذة، ولكن كان السلطان مع ذلك يراعي جانبهم ولا يهمل أمرهم، وقد لاحظنا ذلك فيما أسقناه في حياة ابن تيمية، والأدوار التي مر بها، والشدائد التي نزلت به، فقد رأينا العلماء عندما كانوا يخالفونه، ولا يجدون مساغاً ينفذون به عند السلطان أو عندما كان يعرض عن سماع قولهم يحرضون العامة، ويثيرونهم، فيضطر السلطان للخضوع، فبصوت العامة الذين أجابوا دعاء الصوفية وغيرهم نفي إلى الإسكندرية، ثم عاد إلى الشام من بعد ذلك.
فالعامة لم يكونوا مهملين في الدور الأول من حكم المماليك، بل إنه لو لم يكن اضطراب الأحوال بين المماليك أنفسهم وطغيان بعضهم على بعض لساروا بالأمة في طريق الحكم الشورى، إذا استمر سلطان الرعايا في طريقه، حتى وصل إلى أقصى مداه من النظام الشورى المقيد لحكم السلطان.
(ثانيهما) أن قطزاً والظاهر والناصر من حكام المماليك، وكبار سلاطينهم قد اضطروا في سبيل مقاومة غارات التتار، وفنن الباطنية وغيرها لأن يفرضوا فرائض دفعت إليها المصلحة الظاهرة للمسلمين، ولم يوجد ما يبنى عليه من أصل شرعي قائم صريح يطبق لفرض ضرائب غير الزكاة والخراج لأجل الحروب، وما يتخذ من أحكام توجبها المصلحة، لذلك كثر كلام الفقهاء في المصلحة ومقامها من الدين، ومقامها من النصوص، فنجد فريقا من الفقهاء غالوا في تقديرها، كالطوفي تلميذ ابن تيمية الذي فرض أن المصلحة تقف معارضة أحيانا للنص المقطوع به، وأنها تخصصه، ووجدنا فريقا آخر قد قبلها في اعتدال فعارض بها الأدلة الظنية، وفريقا أثبت أن المصلحة فيها جاءت بها النصوص الثابتة، والأقيسة الصحيحة، كما نرى فيما كتبه العز بن عبد السلام في كتابه قواعد الأحكام في مصالح الأنام.
147