Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه
Publisher
دار الفكر العربي
من علماء المسلمين، ومن في يده شيء فهو ملكه لا يحل لأحد الاعتراض عليه، ولا يكلف إثباته)).
١٥٥- أفضنا بعض الإفاضة في ذكر أحوال الملك الظاهر لأنه كان أبرز سلاطين المماليك، وأوسعهم نفوذاً، وهو وقطز اللذان ردا التتار على أعقابهم خاسرين؛ ولأن ابن تيمية رأى وعوده أخضر حكم ذلك السلطان الذي امتد نفوذه إلى ما وراء الفرات، وجمع شمل بعض بلاد المسلمين، إذ أنه قد توفى في سنة ٦٧٦، وابن تيمية في نحو الخامسة عشرة يدرك الأمور ويفهمها ويتبعها، ولا شك أنه علم، وشاهد ما كان بين الشيخ محي الدين النووي وبين السلطان الظاهر من خلاف أغلظ كل منهما القول فيه لصاحبه، فالسلطان يهدد ويرعد ويبرق، والشيخ يدفعه وينتهي إلى الانتقال من النصيحة إلى غليظ القول، ليشفي قلبه من مرارة التهديد، وكان النزاع في واقع الأمر بين سطوة السلطان، وقوة العلم، ثم إن النووي في كتبه التي كان يرسلها هادياً ناصحاً مدافعاً عن الرعية كان يتكلم باسم العلماء باعتباره كبيرهم، ومتقدمهم في الشام.
وإن المماليك لم يجئ فيهم من بعد الظاهر سلطان قوي يقاربه إلا السلطان الناصر الذي عاصر ابن تيمية، ودامت الصلة بينهما، بل ربطت بينهما المودة والصداقة والمحبة، على نحو ما رأيت في سيرة ذلك الإمام الجليل، وقد ابتلى الناصر بمثل ما ابتلى الظاهر، فإن التتار قد جاءوا إلى دمشق في عهده، وراموا مصر. فتصدى لهم الناصر بتحريض ابن تيمية ومعاونته، كما تصدى من قبل الظاهر وقطز.
ففي الحقيقة كان عصر الناصر امتداداً لعصر الظاهر، والعصران لون واحد، وإذا كان عصر الظاهر قد توج بالعز بن عبد السلام، والنووي، وابن دقيق العيد فقد توج عصر الناصر بابن تيمية، وإذا كان أولئك العلماء قد تصدوا للدفاع عن العامة، وبيان الحق في حكم الدين، فقد حمل من بعدهم ابن تيمية العبء وحده، أو يكاد، ويزيد عليهم أنه حمل السيف، وقاد الجيش، وخرج من محراب الدرس إلى ميدان الجهاد كما بينا من قبل.
146