Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه
Publisher
دار الفكر العربي
فيقول في إحداها ((إن أهل الشام في هذه السنة في ضيق وضعف حال، بسبب قلة الأمطار وغلاء الأسعار، وقلة الغلات والنبات، وهلاك المواشي، وأنتم تعلمون أنه تجب الشفقة على الرعية، ونصيحته (أي ولي الأمر) في مصلحته ومصلحتهم؛ فإن الدين النصيحة)).
وقد رد السلطان هذه النصيحة رداً عنيفاً، واستنكر على العلماء موقفهم منه، وسكوتهم يوم كانت البلاد تحت سنابك الخيل في عهد التتار عندما استولوا على الشام؛ فيرد الشيخ أيضاً رداً قوياً مؤكداً قوله ونصيحته، ومبيناً أنها الميثاق الذي أخذه الله على العلماء ليبينه، ويقول رضي الله عنه رداً عليه وعلى تهديده: ((وأما ما ذكر في الجواب من كوننا لم ننكر على الكفار كيف كانوا في البلاد، فكيف يقاس ملوك الإسلام وأهل الإيمان وأهل القرآن بطغاة الكفار؛ وبأي شيء كنا نذكر طغاة الكفار، وهم لا يعتقدون شيئاً من ديننا... وأما أنا في نفسي فلا يضرني التهديد ولا يمنعني ذلك من نصيحة السلطان، فإني أعتقد أن هذا واجب علي وعلى غيري، وما ترتب على الواجب فهو خير وزيادة عند الله... وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد، وقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقول الحق حيثما كنا، وألا نخاف في الله لومة لائم، ونحن نحب السلطان في كل الأحوال، وما ينفعه في آخرته ودنياه)).
وقد توالت كتب الشيخ بهذه القوة الرفيقة الحق، ولكن لم ينتصح الظاهر بنصيحته، واستمر في جباياته لأنها الحرب التي تحتاج إلى المال والعتاد؛ وقد جمع السلطان فتاوى العلماء في تأييد عمله، فكتبوا بما أراد ما عدا الشيخ محيي فإن ذلك زاده استمساكاً برأيه وشدة فيه؛ فأحضره الظاهر ليوقع على ما وقعوا؛ فعندئذ أجابه جواباً عنيفاً، بعد تلك الرفيقة. قال له: "أنا أعرف أنك كنت في الرق للأمير بندقدار، وليس لك مال، ثم من الله عليك وجعلك ملكاً، وسمعت أن عندك ألف مملوك، كل مملوك له حياصة(١) من ذهب، وعندك مائة
(١) الحياصة: الثياب الموشاة بالذهب في مضايقها.
144