144

Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

وقد أدخل السلطان الظاهر تقليداً حسناً اتبع من بعده، فقد جعل القضاء بأربعة المذاهب، لكل مذهب قاضٍ يقضي بين معتنقي ذلك المذهب.

ولكن مع بقاء الوظائف الشرعية، واتساع الدراسات الإسلامية في المدارس؛ ما كان يعتبر في نظام الحكم إلا المصلحة التي يراها السلطان وأعوانه، والذين معه من قواد ووزراء، وعلى حسب حالهم من صلاح، أو فساد يكون الحكم، وتكون سمته التي يتسم بها.

وكثير من السلاطين كان يحاول أن يكون حكمه برضا العلماء، وكان يكثر ذلك بين الملوك ذوي الهمة؛ وخصوصاً في أوقات الشدة؛ وعندما يحتاجون إلى نفوذ العلماء، وفرض أمور على العامة لا يقبلونها إلا باسم الدين؛ وقد كان الظاهر بيبرس الذي سن تقاليد الحكم لدولة المماليك يعني بسماع كلام العلماء واستشارتهم، وتنفيذ آرائهم إن لم يجد في تنفيذها حرجاً، وقد يصب جام غضبه على بعضهم؛ ولكن لم يعلم أنه ذهب به فرط الغضب إلى إنزال الأذى.

وقد عاصره عالمان جليلان كان كلاهما يستمتع بنفوذ عند العامة، أما أحدهما فقد كان الظاهر له مطيعاً، وأما الثاني فقد صار له مغاضياً.

فالأول العز بن عبد السلام؛ وقد قال السيوطي في علاقته بالظاهر: ((كان بمصر منقمعا تحت كلمة الشيخ عز الدين بن عبد السلام لا يستطيع أن يخرج من أمره، حتى إنه قال لما مات الشيخ: ما استقر ملكي إلا الآن)) (١).

والثاني الشيخ محي الدين النووي، وكان بدمشق، وكان كثير الوعظ للظاهر، يكتب إليه بما يراه إن كان بمصر، ويصدع بكلمة الحق أمامه إن كان الظاهر بدمشق.

وقد سجل السيوطي في حسن المحاضرة طائفة كبيرة من تلك المكاتبات، وأكثرها خاص بطلب ترك بعض الضرائب المفروضة لضيق الحال، وخشية المآل،

(١) حسن المحاضرة السيوطي ج ٢ ص ٦٦ .

143