143

Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

من بعده؛ وقد يستقر الأمر لمن آل إليه الملك وراثة، ولكن سرعان ما ينقض عليه قريب، أو قائد من قواده، ليأخذ منه الحكم بالطريقة التي أخذها أبوه أو جده. ولذلك كان بينهم تنازع مستمر على الملك يختفي أحياناً، ويظهر أحياناً، فإذا كان عدو غالب من التتار أو غيرها، اختفى النزاع في بعض الأحوال، أو سكن. وإن كان أمن من الخارج ظهر النزاع قوياً غلاباً؛ وقد يستعين بعضهم بعدو للفريقين في سبيل الاستمكان من خصمه لينال منه مأرباً.

١٥٢- وقد كان السلاطين في صدر تلك الدولة يجتهدون في أن يكون حكمهم تحت سلطان الدين يستمد من قوته، ويعلن حكمه بين الناس ومن أجل هذا عنى الظاهر بيبرس بالإبقاء على الخلافة الإسلامية؛ واستمداد السلطان من الخليفة. وكان كل سلطان من بعده يعلو بالوراثة، أو بالقوة، ولكنه يجتهد في أن ينال التقليد من الخليفة الذي لم يعد له سلطان قط، حتى في هذا التقليد، فلم يكن فيه مختاراً، بل كان فيه مضطراً.

ولم يكن للخليفة من مكانة إلا ذلك المظهر الشكلي؛ ومنهم من لم يعامله بما يستحق من إجلال وتقدير احتراماً لذلك الاسم الذي يحمله، بل إن بعضهم نفاه مرة إلى قوص.

وكأنهم كانوا ينظرون إلى الخليفة كأنه صاحب سلطة دينية لا تتجاوز التولية، أو التقليد الشكلي، فإن آل إليهم الأمر فالحكم بمقتضى السلطان والدين لهم يحكمون يحكمهم في الناس جميعاً، ومنهم الخليفة نفسه، فهو محكوم بهم، رضي أو سخط(١).

١٥٣- وكان نظام الحكم عسكرياً عرفياً؛ لا يعتمدون فيه على قانون مسطور، ونظام قائم؛ ولا توجد شورى منظمة يقوم عليها أساس الحكم؛ ومع ذلك كانت الوظائف الشرعية قائمة، فالحسبة كانت قائمة، والقضاء له سلطانه،

(١) راجع أخبار معاملة السلاطين للخلفاء في مصر في حسن المحاضرة السيوطي ج ٢ ص ٦٠ وما والاها.

142