141

Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

وأنفقوا خيراً لأنفسكم، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون، فلم يبق معذرة في القعود عن أعداء الدين، والمحاماة عن المسلمين، وهذا السلطان الملك الظاهر السيد الأجل العالم العادل المجاهد المؤيد ركن الدنيا والدين، قد قام بنصر الإمامة عند قلة الأنصار، وشرد جيوش الكفر بعد أن جاسوا خلال الديار، وأصبحت البيعة بهمته منتظمة العقود، والدولة العباسية به متكاثرة الجنود، فبادروا عباد الله إلى شكر هذه النعمة، وأخلصوا نياتكم تنصروا، وقاتلوا أولياء الشيطان تظفروا، ولا يروعكم ما جرى، فالحرب سجال، والعاقبة للمتقين والدهر يومان والأجر للمؤمنين، جمع الله على الهدى أمركم، وأعز بالإسلام نصركم، وأستغفر الله لي ولسائر المسلمين فاستغفروه، إنه الغفور الرحيم)) (١).

١٤٩- وقد اتخذ الخليفة القاهرة مستقراً له ومقاماً، ولم يحاول الذهاب إلى بغداد، وقد كان ذلك أمل أمراء مصر من قبل، فقد فكر في ذلك أحمد بن طولون؛ ولكن لم يتم له ما أراد، إلى أن كانت الحوادث نفسها هي الدافعة إليه، ومنصق الواقع هو الباعث عليه.

ومصر قد حققت ما أمل فيها، فقد استطاع الظاهر بيبرس أن يسترد من أيدي التتر بلاداً كثيرة، وأن يهزمهم في كل الوقائع التي نشبت بينهم، وأن يبدل المسلمين من خوفهم أمناً، وصار ملكه يمتد شرقاً إلى الفرات، وجنوباً إلى أقصى السودان، وجعل القاهرة جديرة بأن تكون قصبة الدولة، فأكثر فيها من إنشاء المدارس، وكان العلماء يحجون إليها من كل فج عميق، وجعل الإسلام شعار دولته، وملتقى مظهرها، وقد قال فيه ابن كثير: ((كان مستيقظاً شهماً شجاعاً، لا يفتر عن الأعداء ليلاً ولا نهاراً، بل هو مناجز لأعداء الإسلام، لم شعته وجمع شمله، وفي الجملة أقامه الله في هذا الوقت المتأخر عوناً ونصراً للإسلام وأهله، وشجا في حلوق المارقين من الفرنج والتتار والمشركين، وأبطل الخمور

(١) تاريخ ابن كثير الجزء الثالث عشر ص ٢٣٨.

140